+
أأ
-

العين حسين الحواتمة : الفوضى الرقمية تحتاج إلى وقفة استراتيجية

{title}
بلكي الإخباري

لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل وتبادل الآراء، بل أصبحت فضاءً عاماً مؤثراً في المجتمع والدولة، ومع اتساع استخدامها بدأت تظهر مظاهر من الفوضى تستدعي وقفة جادة، ليس لتقييد حرية التعبير، وإنما لحمايتها وتنظيم ممارستها.

 

فقد شهدنا انتشاراً للتشكيك والسب والشتم والإساءة والتشهير، بل تحولت مواقع التواصل أحياناً إلى ما يشبه المحاكم، تُطرح فيها الشكاوى والاتهامات وتصدر الأحكام قبل التحقق منها. ومكان مثل هذه القضايا هو المؤسسات المختصة والقضاء الأردني الذي نعتز بعدالته، وليس منصات التواصل.

ومن هنا فإن قانون الجرائم الإلكترونية، رغم أهميته، لا يمثل وحده العلاج الكامل؛ لأنه يعالج جانباً من الأعراض، بينما تحتاج المشكلة إلى معالجة أوسع تتعلق بالوعي والمسؤولية وتنظيم الفضاء الرقمي.

والأخطر هو التعامل غير المسؤول مع المعلومات. فقد أدركت بعض مؤسسات الدولة الحساسة خطورة تداول معلومات تتعلق بالتعيينات والمواقع والمهام التي ينبغي أن لا تكون تفاصيلها متاحة على نطاق واسع، حتى لو جاءت في إطار التهنئة والمباركة. فما قد نراه خبراً اجتماعياً بسيطاً قد يشكل بالنسبة لجهات أخرى معلومة ذات قيمة، خصوصاً في إقليم ما زالت تواجه فيه دول المنطقة تحديات الإرهاب والتهريب والمخدرات والجريمة المنظمة.

لذلك نحن بحاجة إلى وقفة استراتيجية تقودها الدولة، لا تقتصر على مراجعة القانون، وإنما تنظر إلى الفضاء الرقمي باعتباره جزءاً من الأمن الوطني والمجال العام.

محاور استراتيجية للمراجعة

أولاً: استراتيجية وطنية للفضاء الرقمي، توحّد جهود الجهات المعنية وتحدد الأولويات والمسؤوليات، وتضع رؤية متكاملة للتعامل مع التحولات والمخاطر الرقمية.

ثانياً: أمن المعلومات والخصوصية، عبر ضوابط واضحة للمعلومات الحساسة، خصوصاً ما يتعلق بالتعيينات والمواقع والمهام، وتعزيز الوعي بأن بعض التفاصيل التي تبدو اجتماعية قد تحمل قيمة أمنية.

ثالثاً: مدونة سلوك رقمية، تضع معايير مهنية وأخلاقية للنشر والتعليق والتعامل مع المعلومات، وتولي المسؤولين والشخصيات العامة والإعلاميين والمؤسسات اهتماماً خاصاً، بحيث تصبح المسؤولية جزءاً من ثقافة الاستخدام اليومي.

رابعاً: الوقاية والتوعية، من خلال إدخال التربية الرقمية في المدارس والجامعات، وحملات توعية عامة تركز على التحقق من المعلومات، وخطورة الشائعات والتشهير وإعادة نشر المحتوى غير الموثوق.

خامساً: تفعيل المسارات الرسمية والقانونية، بتسهيل الوصول إلى قنوات الشكاوى والبلاغات، وترسيخ قاعدة أن الخلافات والاتهامات مكانها المؤسسات المختصة والقضاء، لا منصات التواصل.

سادساً: مراجعة وتقييم مستمر، من خلال حوار يضم الدولة والإعلام والخبراء والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع التقني، للتأكد من أن السياسات والتشريعات تواكب التطور وتحافظ على التوازن بين الأمن والحرية وحقوق الإنسان.

ومن يعتقد أن تنظيم هذا المجال يتعارض بالضرورة مع حرية التعبير وحقوق الإنسان، عليه أن يدرك أن الأمن وحقوق الإنسان وحرية التعبير يجب أن لا تتقاطع، وإنما يجب أن تنظم العلاقة بينها بحيث يحمي كل منها الآخر. فالحرية مسؤولية، والأمن حماية، والقانون هو الإطار الذي يضمن التوازن بينهما.

إن القضية اليوم أكبر من قانون وأكبر من منشور؛ إنها تتعلق بشكل المجتمع والدولة في عصر أصبحت فيه المعلومة قوة، وأصبح نشرها أو استغلالها قادراً على التأثير في الأمن والاقتصاد والثقة العامة.

ولذلك فإن المطلوب ليس المزيد من ردود الفعل، وإنما سياسة وطنية استباقية تجعل من الفضاء الرقمي مجالاً منظماً للحرية، لا ساحة للفوضى، وتجعل من الوعي ومدونة السلوك خط الدفاع الأول قبل القانون.

إن تصحيح المسار الآن أسهل بكثير من معالجة نتائج الفوضى بعد أن تصبح جزءاً من ثقافة المجتمع