+
أأ
-

سقطت هيبة "الطبيب والمهندس": كيف هزم "اليوتيوبر" أوهام الألقاب القديمة؟

{title}
بلكي الإخباري

 

كتب الناشر :- نكتب احيانا عن  ملفات تحديث التوجيهي ونغرق  في تفاصيل المناهج  والحقول  والتخصصات ومن الطبيعي ان نُصيب حيناً ونُخطئ أحياناً غير أن المشهد الأكثر إثارة للتأمل لا يدور في أروقة لجان التحديث  ولا بين سطور القرارات او شروط قبول الجامعات ، بل في ساحات التعليقات  المشتعلة على منصات التواصل؛ أولياء أمور يتجادلون بحرقة، يحللون، وينتقدون.

هؤلاء  طبعا ينتمون علمياً إلى أجيال يطلق عليهم جين x وما بعدها ممن عاصروا زمنيْن: ما قبل الانفجار الرقمي وما بعده أما المفارقة الصادمة، فهي الغياب التام والمدوي لطلبة الجيل  جين z أصحاب القضية والشأن المستهدفين بكل هذه القرارات!

هذا الصمت ليس عزوف  بريئ بل إعلان صريح عن انفصال كامل بين عالمين لا يلتقيان.

الحقيقة القاسية التي نرفض مواجهتها هي أن هذا الجيل مختلف عنّا بشكل جذري في اهتماماته، ومحفزاته، ونظرته لمعنى الحياة والنجاح. 

قبل عشرين عام، كان وعينا الجمعي أسير  لالألقاب المقدسة كانت المكانة الاجتماعية والأمان النفسي محصورين في ثالوث الطبيب والمهندس والمحامي. كان اللقب جواز سفر للوجاهة الطبقية أما اليوم … بالنسبة لشاب وُلد والشاشة في يده والمعلومة تسبق طرف إبهامه، فإن تلك الألقاب فقدت بريقها وسطوتها هذا جيل يعبد السرعة والنتيجة، ولا يطيق المسارات البيروقراطية الطويلة التي تبتلع سنوات من عمره خلف مدرجات تقليدية لتمنحه في النهاية ورقة لا تضمن له دخل ولا تمنحه حرية.

تتجلى الفجوة حين نختبر مرجعياتهم الثقافية اسأل طالب  توجيهي  اليوم مثلا  عن أشهر جرّاح أو أعظم كاتب أو أديب في الأردن ، وسيقابلك بصمت مطبق وجهل تام بالاسم لكن اسأله عن أشهر يوتيوبر أو صانع محتوى، أو مبرمج رقمي مستقل وسيسرد لك سيرته الذاتية ومحطات نجاحه وأرقام مشاهداته، ومصادر دخله بدقة متناهية .

لا يتعلق الأمر بسطحية طبعا  كما يحلو لجيلنا تصنيفها لتبرير وصايته بل بتحوّل جذري في تعريف النموذج والقدوة بالنسبة لهم، القوة لم تعد في شهادة معلّقة على جدار بل في التأثير، والانتشار، وصناعة القيمة في العالم الرقمي وكم من طالب أدار ظهره للمقاعد الأكاديمية وابتكر مساره الخاص ليحقق استقلال مالي وحضور  يعجز عنه أصحاب الدراسات العليا وحتى رؤساء جامعات !

الخطأ القاتل الذي يمارسه المجتمع اليوم هو استخدام مسطرة الماضي لقياس مستقبل الأبناء فمحاولة فرض مخاوفنا، ورغباتنا المعلقة، وما كنا نحلم به قبل عقدين من الزمن على واقع أبنائنا اليوم هي جريمة تدجين عبثية هذا الجيل لا يعيش في زماننا ولا يكترث بما يُفترض أن يُرضينا ولن يخوض معارك الوجاهة الاجتماعية القديمة بالنيابة عنا.

تحديث التعليم لا يحتاج فقط إلى مراجعة للكتب ونظم الامتحانات، بل يتطلب أولاً تواضع  من أولياء الأمور والمؤسسات ويجب التوقف عن التفكير بعقول التسعينيات في مواجهة جيل الألفية الثالثة ولن نستطيع بناء مستقبل لمن لا نسمعه، ولن نقنع طالب بمنظومة كاملة وهو يرى أن العالم الحقيقي يتحرك في مسار، وكل ما نناقشه من أجله يتحرك في مسار آخر تماماً.