+
أأ
-

سردية «شيخة العبيد سعيد»

{title}
بلكي الإخباري

 

في موروثنا الشفاهي الشعبي في بلاد الشام حكايات كثيرة عن شخصية تُعرف باسم «العبيد سعيد»، كانت تُروى لا باعتبارها حكاية عن شخص بعينه فحسب، وإنما باعتبارها عبرة للحكام والشيوخ في اختيار البطانة والمستشارين.

ومغزى الحكاية أن الحاكم لا يحتاج إلى من يقول له ما يحب أن يسمعه، وإنما إلى من يملك الكفاءة والخبرة والأمانة وقوة الشخصية والقدرة على قول «لا» عندما تكون «لا» هي الصواب.

في عهد الأمير سعود بن عبدالعزيز الرشيد، تذكر إحدى الروايات التاريخية سعيد بن محمد، وتصفه بأنه مملوك سوداني، كان من المقربين إلى الأمير، وتولى الأمور المالية وحمل مفتاح الخزينة منذ عهد الأمير عبدالعزيز بن متعب الرشيد واصبح صاحب حظوة وقرار في ادارة إمارة حائل . كما تذكر الرواية سليمان العتبي بوصفه «العبد الثاني»، وكان يحمل سيف الحجابة، ويدخل على الأمير برأيه حتى في السياسة، وكان «مسموع الكلمة». 

لم تكن المشكلة في كون هؤلاء من المماليك بحد ذاتهم؛ فقد وصل بعض المماليك والموالي في إمارة آل رشيد إلى مواقع مهمة، بل تولى بعضهم وظائف إدارية وعسكرية حساسة. وتظهر المصادر أن الموالي والعتقاء كانوا جزءاً من بنية القوة في حائل، وأن بعضهم تولى مسؤوليات تتجاوز الخدمة الشخصية إلى الإدارة والقيادة. 

المشكلة ليست في أصل المستشار أو نسبه، وإنما في معيار اختياره: هل اختير لأنه كفؤ وصاحب رأي مستقل، أم لأنه مطيع لا يعارض ولا يقول للحاكم إلا ما يريد سماعه؟

وهذه هي النقطة التي تجعل «شيخة العبيد سعيد» تتجاوز الحكاية الشعبية إلى درس سياسي.

فالحاكم الذي يحيط نفسه بأصحاب الولاء الأعمى قد يشعر بالأمان، لكنه في الحقيقة يعزل نفسه عن الحقيقة. ومع مرور الوقت تصبح البطانة مرآة لا تعكس الواقع، وإنما تعكس رغبات صاحب القرار.

وهذا ما يجعل رواية أواخر إمارة آل رشيد جديرة بالتأمل؛ فقد تزامن ضعف القيادة مع نفوذ شخصيات لا تملك الكفاءة والخبرة والجرأة داخل الإمارة ،  

ثم جاءت النهاية.

سقطت إمارة آل رشيد سنة 1921، ولم يكن سبب سقوطها شخصاً واحداً ولا بطانة واحدة، وإنما تراكمت عليها عوامل الصراع الداخلي والضعف السياسي والعسكري وتبدل موازين القوى في نجد. ولذلك فالعبرة ليست أن «العبيد أسقطوا الإمارة»، فهذا تبسيط للتاريخ، وإنما أن ضعف الحكم يبدأ عندما يفقد الحاكم القدرة على رؤية الواقع كما هو، ويستبدل أهل الرأي بأهل الولاء.

تضعنا هذه الحكاية الشعبية أمام عديد الاسئلة:

هل نريد مستشاراً يقول الحقيقة، أم موظفاً يقول ما يرضي المسؤول؟

هل نريد صاحب خبرة يستطيع أن يختلف مع صاحب القرار، أم شخصاً يوافقه دائماً؟

هل نريد بطانة تبحث عن مصلحة الدولة، أم بطانة تبحث عن رضا صاحب السلطة؟

الدول الحديثة لا تُدار بالتصفيق، ولا بالولاء الشخصي، ولا بكثرة الألقاب والمناصب. الدول تُدار بالمؤسسات، والخبرة، وتعدد الآراء، والمساءلة، وحرية تقديم النصيحة.

وأخطر ما يمكن أن يصيب أي نظام سياسي ليس أن يكون حول الحاكم خصوم، وإنما أن يصبح حوله أشخاص لا يجرؤون على قول الحقيقة.

فالمستشار الذي يخشى غضب الحاكم أخطر من المعارض الذي يرفع صوته .

ولهذا فإن الدرس الحقيقي من «سردية شيخة العبيد سعيد» ليس في سعيد، ولا في كونه مملوكاً، وإنما في السؤال الذي تتركه الحكاية خلفها:

من يقول للحاكم الحقيقة عندما لا يريد أن يسمعها؟

فإذا غاب هذا الصوت، وأصبح معيار القرب هو الولاء لا الكفاءة، والموافقة لا المشورة، والصمت لا الشجاعة، فإن الدولة قد تبدو مستقرة من الخارج، بينما تبدأ عوامل ضعفها من داخل غرفة القرار.

الحاكم لا يحتاج إلى بطانة تقول له دائماً: نعم.

الحاكم يحتاج إلى من يملك شجاعة أن يقول له: لا، عندما تكون «لا» في مصلحة الدولة.

المهندس محمد عبدالحميد المعايطة