+
أأ
-

نيفين العياصرة : غزة بعد الحرب: صراع على شكل النظام القادم

{title}
بلكي الإخباري

دخلت غزة مرحلة سياسية جديدة تتجاوز ترتيبات وقف إطلاق النار إلى إعادة تشكيل منظومة السلطة والأمن وموازين القوة، ملف السلاح يتصدر هذه المرحلة باعتباره المدخل الرئيسي لتحديد شكل الحكم المقبل،وطبيعة العلاقة بين الفصائل الفلسطينية،ة ودور إسرائيل وحجم التدخل الدولي في صياغة مستقبل القطاع.

 

المعادلة السياسية تقوم على مسارين متلازمين.. حماس تربط مسار السلاح بالانسحاب الإسرائيلي، وإسرائيل تربط الانسحاب بتفكيك البنية العسكرية للحركة، كل طرف يحتفظ بالورقة التي تمنحه قدرة التأثير على الطرف الآخر وكل خطوة تصبح مرتبطة بخطوة مقابلة، وهنا يتشكل مفهوم "التعطيل المتبادل" كأداة تفاوضية تحافظ على موازين القوة خلال المرحلة الانتقالية.

 

حماس تتعامل مع السلاح باعتباره أصلًا استراتيجيًا يرتبط بموقعها داخل النظام السياسي الفلسطيني. انتقال الحركة إلى قبول مسار يؤدي إلى تفكيك بنيتها العسكرية يمثل تحولًا سياسيًا مهمًا وتبقى طريقة التنفيذ وتوقيته وضماناته جوهر المسألة، الحركة تسعى إلى ضمان موقعها في المشهد السياسي المقبل،ة وتأمين صيغة تحافظ على نفوذها داخل المجتمع الفلسطيني وربط عملية تسليم السلاح بترتيبات سياسية وأمنية تضمن انسحاب إسرائيل وإعادة الإعمار وقيام إدارة قادرة على ممارسة سلطتها.

 

إسرائيل تنظر إلى السلاح من زاوية أمنية استراتيجية، تفكيك البنية العسكرية لحماس يمثل شرطًا لإعادة رسم البيئة الأمنية في القطاع فيما يشكل الانسحاب ورقة تفاوضية ذات قيمة عالية، إسرائيل تسعى إلى الاحتفاظ بهذه الورقة إلى اللحظة التي تحصل فيها على ضمانات عملية تمنع إعادة بناء القدرات العسكرية للفصائل وتوفر آليات رقابة دولية ومحلية قادرة على متابعة التنفيذ.

 

هذه الحسابات تضع الطرفين أمام معادلة دقيقة، حماس تحتاج إلى الاحتفاظ بجزء من قدرتها التفاوضية حتى نهاية العملية وإسرائيل تحتاج إلى استمرار وجودها العسكري كورقة ضغط حتى اكتمال الترتيبات الأمنية، كل طرف يملك قدرة على إبطاء المسار وكل طرف يحتاج إلى الطرف الآخر للوصول إلى التسوية.

 

الولايات المتحدة تدخل هذه المعادلة باعتبارها الطرف الأكثر قدرة على هندسة الإطار السياسي العام، واشنطن تدفع باتجاه مسار تدريجي يجمع بين نزع السلاح والانسحاب وإعادة الإعمار وترتيبات الحكم، الفكرة الأمريكية تقوم على خلق انتقال متدرج يسمح بتغيير الواقع الأمني والسياسي في القطاع عبر مراحل مترابطة مع وجود آليات تحقق وقوة دولية تساعد في تثبيت الترتيبات الجديدة.

 

في المقابل ترى إسرائيل أن الأمن يمثل نقطة البداية في أي صيغة سياسية، ومن هنا يظهر اختلاف الأولويات بين واشنطن وتل أبيب، الولايات المتحدة تبحث عن إطار ينقل غزة من الحرب إلى الإدارة السياسية وإسرائيل تبحث عن إطار يضمن عدم عودة التهديد العسكري بعد انتهاء الانتشار الإسرائيلي.

 

المشهد الفلسطيني يحمل تعقيدًا إضافيًا، انتقال إدارة غزة إلى لجنة تكنوقراطية أو هيئة مدنية يحتاج إلى بيئة أمنية مستقرة وسلطة قادرة على فرض القانون،ة ويحتاج كذلك إلى قبول سياسي فلسطيني واسع، أي فراغ في هذه المرحلة يمكن أن ينتج تعددًا في مراكز القوة،ة ويمنح الفصائل المسلحة مساحة لإعادة ترتيب حضورها ويضعف فرص بناء سلطة فلسطينية موحدة.

 

وهنا تظهر أهمية العلاقة بين غزة والضفة الغربية، مستقبل القطاع يرتبط بصورة النظام السياسي الفلسطيني بأكمله،وجود إدارة منفصلة في غزة، مع استمرار ترتيبات سياسية وأمنية مختلفة في الضفة يكرس الانقسام الجغرافي والسياسي ويجعل أي تسوية فلسطينية شاملة أكثر تعقيدًا.

 

إعادة الإعمار تدخل أيضًا في قلب المعادلة السياسية، الأموال الدولية والمشاريع والبنية التحتية وفتح المعابر وإعادة بناء المؤسسات، جميعها أدوات مرتبطة بترتيبات أمنية وسياسية، الطرف الذي يمتلك القدرة على التحكم في هذه المسارات يمتلك تأثيرًا مباشرًا على شكل الحكم المقبل.

 

الوقت يمثل عاملًا حاسمًا في هذه العملية واستمرار التفاوض يمنح حماس فرصة للحفاظ على أوراق القوة ويمنح إسرائيل مساحة للحفاظ على انتشارها العسكري ويمنح الولايات المتحدة فرصة لإعادة هندسة الترتيبات تدريجيًا، وفي الوقت نفسه ترتفع كلفة الانتظار على المجتمع الفلسطيني وتزداد صعوبة الانتقال من حالة الحرب إلى حالة سياسية مستقرة.

 

المعضلة الأساسية تكمن في أن جميع الأطراف تريد ضمانات مسبقة قبل تقديم التنازل، حماس تريد ضمانات للانسحاب وإعادة الإعمار ومستقبل موقعها السياسي وإسرائيل تريد ضمانات لنزع السلاح ومنع إعادة بناء القدرات العسكرية، والولايات المتحدة تريد ضمانات لتنفيذ الخطة وفق جدول سياسي وأمني قابل للرقابة.

 

لهذا يصبح التعطيل المتبادل أكثر من مجرد وصف للجمود إنه طريقة لإدارة مرحلة انتقالية شديدة الحساسية حيث يحتفظ كل طرف بأدواته حتى تتضح هوية النظام الذي سيولد بعد الحرب.

 

المسار المقبل يتوقف على قدرة الأطراف على تحويل الترتيبات المؤقتة إلى قواعد سياسية مستقرة، نزع السلاح يحتاج إلى سلطة فلسطينية قادرة على إدارة الأمن والانسحاب يحتاج إلى ضمانات تمنع إعادة بناء القدرات العسكرية وإعادة الإعمار تحتاج إلى بيئة سياسية مستقرة،ة والبيئة السياسية تحتاج إلى مرجعية فلسطينية موحدة.

 

غزة تدخل بذلك مرحلة إعادة توزيع النفوذ، السلاح يمثل إحدى أدوات القوة،ة والانسحاب يمثل أداة أخرى وإعادة الإعمار تمثل أداة اقتصادية، والإدارة المدنية تمثل أداة سياسية،ة والقوة الدولية تمثل أداة رقابية الصراع المقبل سيجري حول طريقة جمع هذه الأدوات داخل منظومة واحدة.

 

النتيجة النهائية ستحددها قدرة الأطراف على صياغة صفقة متبادلة.. سلاح في مقابل ضمانات سياسية وأمنية وانسحاب في مقابل ترتيبات قابلة للتحقق، وإعمار في مقابل استقرار، وإدارة فلسطينية في مقابل منظومة أمنية واضحة.

 

عند هذه النقطة تحديدًا ستتحدد صورة غزة المقبلة وكذلك موقعها داخل النظام السياسي الفلسطيني، فالمعركة القادمة تتعلق بمن يمتلك القدرة على صياغة قواعد المرحلة الجديدة ومن يستطيع تحويل نفوذه العسكري أو السياسي أو الدولي إلى نفوذ داخل النظام الذي سيولد بعد الحرب.

 

غزة أمام إعادة ترتيب شاملة لموازين القوة والتعطيل المتبادل يمثل المرحلة التي تسبق لحظة الاتفاق على توزيع هذه القوة، وحين تبدأ الأطراف بتبادل التنازلات وفق ضمانات واضحة يتحول المسار من إدارة للصراع إلى صناعة لتسوية سياسية جديدة