م. سعيد المصري : قراءة من داخل تجربتنا الوطنية

نعيش مرحلة سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة، تتداخل فيها الضغوط المعيشية مع القلق من المستقبل، وتتأثر حياتنا الداخلية بما يحيط بالأردن من حروب وأزمات وتحولات إقليمية ودولية متسارعة. ولم تعد آثار هذه المرحلة محصورة في السياسات العامة أو المؤشرات الاقتصادية، بل امتدت إلى نظرة المواطن إلى الدولة ومؤسساتها، وإلى علاقات الناس بعضهم ببعض، وإلى الطريقة التي يعرّفون بها أنفسهم وموقعهم داخل الوطن.
ولا تأتي هذه القراءة من خارج مجتمعنا الأردني، ولا من موقع من يراقبه أو يصدر الأحكام عليه. فأنا ابن هذا المجتمع وابن الدولة الأردنية، وقد تشرفت بالمشاركة في إدارتها، وتحملت مع غيري ممن تولوا المسؤولية العامة نصيباً من مسؤولية نجاحاتها وإخفاقاتها.
ونعني بـ«نحن» أبناء مجتمعنا الأردني، ومنهم الكاتب، كل بقدر مسؤوليته وتأثيره.
ولا يهدف البحث إلى محاكمة مجتمعنا الأردني أو تحميل المواطن وحده مسؤولية تراجع الثقة أو ظهور بعض أشكال الانغلاق والاستقطاب. فالإنسان لا يشكل سلوكه في فراغ، وإنما يتأثر بالفرص المتاحة أمامه، وبمدى شعوره بالعدالة، وبخبرته اليومية مع المؤسسات، وبدرجة الأمان الاقتصادي والاجتماعي التي يتمتع بها.
والغاية هي أن نفهم أنفسنا بصورة أفضل: ما الذي حافظ على تماسك مجتمعنا الأردني رغم الضغوط المتراكمة؟ وما الذي بدأ يضعف الثقة بين أفراده أو بينهم وبين بعض المؤسسات؟ ومتى يكون الانتماء العائلي أو العشائري أو الديني أو المناطقي مصدراً للتكافل والقوة؟ ومتى يمكن أن يتحول، تحت ضغط الخوف أو الشعور بعدم الإنصاف، إلى انغلاق أو تنافس أو مسافة تفصلنا عن الآخرين؟
ولا تفترض هذه الأسئلة وجود أزمة شاملة في الهوية الأردنية، ولا تنكر ما أثبته مجتمعنا من قدرة على التماسك والاعتدال واستيعاب الأزمات. لكنها تنطلق من أن حماية الوحدة الوطنية لا تتحقق بتجنب الأسئلة الصعبة، بل بطرحها بلغة مسؤولة لا تجرح ولا تتهم ولا تعمم.
مجتمعنا الأردني في زمن التحولات
لم يعرف الأردن خلال العقود الماضية فترة طويلة من الاستقرار الإقليمي الكامل. فقد عاش آثار الصراع العربي–الإسرائيلي، واستقبل موجات متعاقبة من اللاجئين، وتأثر بالحروب في العراق وسورية، وواجه الإرهاب والتطرف، وتحمل تداعيات الأزمات المالية العالمية وجائحة كورونا وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة واضطراب التجارة.
وشهد الأردن في الوقت نفسه تحولات داخلية عميقة، تمثلت في النمو السكاني واتساع المدن وارتفاع مستويات التعليم ودخول أعداد كبيرة من الشباب إلى سوق عمل لا يستطيع توفير فرص كافية لهم. كما غيّرت الثورة الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي طبيعة العلاقات العامة؛ فمنحت الأفراد مساحة أوسع للتعبير، لكنها أتاحت أيضاً سرعة إصدار الأحكام وانتشار المعلومات غير الدقيقة وتصاعد الاستقطاب.
وأمام هذه التحديات، حافظت الدولة الأردنية على استقرارها واستمرارية مؤسساتها، وهي قيمة وطنية لا ينبغي التقليل منها. كما أظهر مجتمعنا الأردني قدرة كبيرة على التكيف واستيعاب الوافدين والمحافظة على السلم الأهلي والتعايش الإسلامي–المسيحي، والالتفاف حول الدولة والقيادة الهاشمية عندما تعرض الوطن للخطر.
وقامت العائلة والعشيرة بدور مهم في حماية الأفراد ومساندتهم في المرض والبطالة والأزمات. وفي حالات كثيرة، عوض هذا التكافل جوانب من محدودية شبكات الحماية الرسمية، ومنع أفراداً وعائلات من السقوط في العزلة الكاملة.
غير أن الاستقرار السياسي والتكافل الاجتماعي لا يعنيان غياب الضغوط. فقد تراكمت تحديات البطالة وارتفاع كلفة المعيشة وتفاوت الفرص بين العاصمة والمحافظات، واتسعت الفجوة بين التوقعات التي صنعها التعليم والفرص المتاحة أمام الشباب. وقد لا يظهر القلق الناتج عن ذلك في صورة احتجاج مباشر، بل في تراجع الثقة، أو الانكفاء نحو الدوائر القريبة، أو الاعتقاد بأن النجاح يعتمد على العلاقات أكثر من اعتماده على الجدارة.
ولذلك ينبغي ألا تُفسر هذه المظاهر بوصفها دليلاً على خلل أخلاقي لدى المواطنين. فقد تكون بعض التحولات في السلوك استجابة، وإن كانت غير مرغوبة، لبيئة يشعر فيها الفرد بعدم اليقين ومحدودية الفرص. ومن ثم لا تقع مسؤولية المعالجة على التوعية الأخلاقية وحدها، بل تشمل إصلاح السياسات والمؤسسات التي تنتج الشعور بعدم العدالة أو تغذيه.
الأنا والانتماء وحدود التفسير
يرى المفكر الروحي إيكهارت تول أن الإنسان قد يبني هويته النفسية من الاسم والمكانة والماضي والمعتقد والانتماء. ولا تكمن المشكلة، وفق تصوره، في وجود الهوية أو الانتماء، بل في اندماج الإنسان الكامل فيهما إلى درجة يصبح معها أي نقد لرأيه أو جماعته تهديداً لكرامته ووجوده المعنوي.
وفي هذا المعنى، تتجاوز الأنا مجرد الأنانية؛ فهي التعلق بالصورة التي نصنعها عن أنفسنا، والخوف من فقدان الاعتراف أو المكانة. وقد تدفعنا إلى رفض تصحيح واضح لأننا نفهمه انتقاصاً منا. وعندما ينتقل هذا النمط من الفرد إلى الجماعة، تظهر ما يسميه تول «الأنا الجماعية». فقد تستمد جماعة ما شعورها بالتماسك من الاعتقاد بأنها أكثر أصالة أو فضيلة أو وطنية من غيرها، وقد تحتاج أحياناً إلى خصم حقيقي أو متخيل حتى تؤكد حدودها الداخلية.
لكن هذه الفكرة ليست حكماً علمياً نهائياً على المجتمعات، ولا يجوز استخدامها لوصف مجتمعنا الأردني بأنه يبحث عن الخصوم. وإيكهارت تول مفكر روحي وليس عالم اجتماع ميدانياً؛ ولذلك نستخدم فكرته باعتبارها عدسة تساعد على طرح الأسئلة، إلى جانب مفاهيم الثقة والرأسمال الاجتماعي والهوية والشعور بالعدالة والاستقطاب.
كما لا يجوز أن تتحول «الأنا الجماعية» إلى تفسير يلغي المظالم الحقيقية. فمطالبة محافظة بحصة عادلة من التنمية ليست دليلاً تلقائياً على المناطقية، وانتقاد مؤسسة عامة لا يدل على ضعف الانتماء إلى الدولة، واحتجاج فئة على التهميش لا يعني أنها أسيرة هوية منغلقة.
والسؤال الأكثر إنصافاً هو: متى يبقى الانتماء في مجتمعنا الأردني مصدراً للتكافل والاستقرار، ومتى يمكن، تحت تأثير الخوف أو المنافسة أو الشعور بعدم الإنصاف، أن يتحول إلى انغلاق أو استبعاد للآخر؟
الأنا والعقد الاجتماعي
يمكن فهم العقد الاجتماعي هنا بوصفه منظومة الحقوق والواجبات والتوقعات المتبادلة بين المواطن والدولة، وبين المواطنين أنفسهم. وتستمد قوته من اطمئنان الناس إلى صون الحقوق، وإنصاف القواعد، واقتران أداء الواجب باحترام الكرامة وإتاحة الفرص.
ولأعراف مجتمعنا الأردني وعاداته مكانة أصيلة في تعزيز هذه العلاقة؛ فالتكافل وصلة الرحم وإغاثة المحتاج والإصلاح بين الناس قيم تحفظ الروابط وتساند الاستقرار. وتتعلق المراجعة بكيفية ممارسة هذه القيم عندما تتصل بحقوق عامة وفرص يتشارك فيها الجميع.
وقد تتدخل الأنا لدى أي منا حين تختلط مساندة القريب أو حماية المكانة بصعوبة رؤية أثر تصرفنا في الآخرين؛ فنلتمس لأنفسنا استثناءً نتحفظ عليه لغيرنا، أو نفهم مراجعة رأينا على أنها انتقاص من قدرنا. ولدى صاحب المسؤولية، قد يختلط الدفاع عن اجتهاده بالدفاع عن المؤسسة، فيصعب تصحيح القرار.
وحين تتكرر هذه الممارسات، قد تتحول العلاقة في الوعي والممارسة من حق يكفله الإجراء إلى منفعة تتوقف على القرب والنفوذ، ومن مسؤولية تقبل المساءلة إلى مكانة تستدعي الحماية. هنا يمكن للأنا أن تشوه التوازن الذي يقوم عليه العقد الاجتماعي، فتضعف الثقة بالقواعد وتزيد الاعتماد على العلاقات الشخصية. وهذه آلية تفسيرية محتملة تتفاعل مع الظروف الاقتصادية والإدارية، وليست نتيجة تثبتها مؤشرات الثقة وحدها.
مصادر القراءة وحدودها
تستند الأرقام الواردة هنا إلى نتائج الباروميتر العربي عن الأردن لمسح عام 2025، الذي نفذه مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية. وتظل بيانات مسح القيم العالمي والاستطلاعات المنشورة مصادر للتوسع والمقارنة، دون أن ننسب إليها نتائج لم نعرضها.
ولا تقيس هذه الأرقام الأنا مباشرة، ولا تثبت علاقة سببية بينها وبين الثقة. كما لا تقدم الفقرات المتعلقة بقبول الاختلاف قياساً كمياً لانتشاره، بل تناقش احتمالات سلوكية. ونميز بذلك بين النتائج المنشورة والتفسير الفكري، مع مراعاة اختلاف التجارب بحسب العمر والدخل والتعليم ومكان الإقامة.
الثقة بين المواطن والمجتمع والدولة
ليست الثقة شعوراً واحداً؛ فهناك ثقة بالدولة، وثقة بالحكومة، وثقة بالمؤسسات الأمنية والقضائية والخدمية، وثقة بالأسرة والأقارب، وثقة بالناس خارج الدائرة القريبة. وقد يرتفع أحد هذه المستويات بينما يتراجع مستوى آخر.
وتكشف نتائج الباروميتر العربي المنشورة في أغسطس 2026، المستندة إلى عينة وطنية ممثلة شملت 1,266 مواطناً من جميع المحافظات في أكتوبر 2025، عن صورة مركبة. وبلغ هامش الخطأ المعلن نحو ثلاث نقاط مئوية. فقد بلغت الثقة بالحكومة 49%، بارتفاع عشر نقاط عن أواخر 2023، وبلغ الرضا عن أدائها العام 61%. كما وافق 90% على أدائها في المحافظة على الأمن والنظام. وفي المقابل، لم تتجاوز الموافقة على جهود إيجاد فرص العمل 22%، وعلى ضبط الأسعار 23%، وعلى تقليص عدم المساواة 24%. الباروميتر العربي: الرأي العام الأردني لعام 2025
وتدل هذه الفروق على أن المواطن يستطيع تقدير قدرة الدولة على حماية الأمن والاستقرار، وأن يبدي في الوقت نفسه عدم رضاه عن إدارة البطالة والأسعار وتوزيع الفرص. فالثقة ليست ولاءً ثابتاً يُمنح أو يُسحب بالكامل، بل علاقة متحركة تتأثر بالأداء والخبرة والقدرة على الاستجابة.
ويظهر أثر الاقتصاد بوضوح؛ فقد رأى 59% أن الاقتصاد هو التحدي الأهم الذي يواجه الأردن، بينما أشار 20% إلى الفساد، ولم تتجاوز نسبة من توقعوا تحسن الاقتصاد خلال السنتين أو السنوات الثلاث المقبلة 30%. كما أفاد 44% بأنهم فكروا في الهجرة، وعزا 92% ممن يفكرون فيها ذلك إلى أسباب اقتصادية، وكان الشباب وحملة الشهادات الجامعية الأكثر ميلاً إليها.
ولا يدل التفكير في الهجرة بالضرورة على تراجع الانتماء الوطني؛ فقد يعكس اتساع الفجوة بين الارتباط العاطفي بالأردن وبين القدرة على بناء حياة مستقرة فيه. لكن استمرار هذه الفجوة قد يضعف الثقة بالمستقبل، ويجعل المنافسة على الفرص أكثر حدة.
وعندما تبدو الفرص محدودة أو لا تكون معايير توزيعها واضحة، قد يعتقد الفرد أن حصول شخص أو منطقة أو جماعة على فرصة يعني خسارة الآخرين لها. وعندها تصبح المنافسة الاقتصادية قابلة للتحول إلى توتر اجتماعي أو مناطقي. ولا تفسر «الأنا الجماعية» هذا التوتر وحدها؛ إذ يجب النظر أيضاً إلى السياسات الاقتصادية وعدالة توزيع التنمية وشفافية القرارات.
دوائر الانتماء والتكافل وعدالة الفرص
تشكل العائلة والعشيرة مصدرين أساسيين للحماية والتكافل في مجتمعنا الأردني، ولا ينبغي وضعهما في مواجهة الدولة أو تصوير الانتماء إليهما باعتباره نقيضاً للمواطنة. فقد أسهمتا تاريخياً في بناء الدولة وحماية الاستقرار وتقديم الكفاءات للقوات المسلحة والإدارة والتعليم والعمل العام.
ولا تكمن المشكلة في قوة الثقة داخل الأسرة أو العشيرة، بل في احتمال ألا تمتد هذه الثقة بالقدر نفسه إلى خارج الدائرة القريبة. فالثقة داخل الجماعة تجيب عن سؤال: من يقف إلى جانبي عند الحاجة؟ أما الثقة العامة فتجيب عن سؤال آخر: هل أطمئن إلى أن من لا تربطني به قرابة سيعاملني بعدالة، وأن المؤسسة ستطبق القاعدة نفسها عليّ وعلى غيري؟
وقد ينشأ توتر بين التضامن والإنصاف حين تمتد المساندة إلى تجاوز حق آخر، أو يُفهم نقد تصرف فردي بوصفه انتقاصاً من جماعته. وهذا السلوك لا يخص العشيرة وحدها؛ فقد يظهر داخل حزب أو مؤسسة مهنية أو جماعة دينية أو نخبة اقتصادية أو جهاز إداري.
ويقودنا ذلك إلى الواسطة، التي تقع في منطقة ملتبسة بين قيمة اجتماعية تحث على مساعدة القريب، وممارسة قد تتجاوز العدالة وتكافؤ الفرص. فمن يتوسط لتوظيف قريب عاطل قد يعتقد أنه يؤدي واجباً عائلياً، لكن المشكلة تظهر عندما تمنح العلاقة الشخصية شخصاً فرصة حُرم منها من هو أكثر استحقاقاً.
وتنشأ دائرة متبادلة: يلجأ المواطن إلى الواسطة لأنه لا يطمئن إلى الإجراء، ويؤدي انتشار الواسطة إلى إضعاف الإجراء وزيادة الشك في عدالته، فيزداد اعتماد الناس عليها. ولذلك لا يكفي العلاج الأخلاقي، بل يتطلب إجراءات واضحة وسريعة وقابلة للمراجعة، بحيث يصبح اللجوء إلى العلاقة الشخصية أقل فائدة وأقل ضرورة.
كما لا يجوز تحميل المواطن محدود النفوذ وحده مسؤولية الواسطة، مع إغفال صورها الأكثر تأثيراً في التعيينات والعقود والترقيات. فالمسؤولية تزداد بقدر السلطة، ومن يملك القرار يتحمل مسؤولية أكبر ممن يطلب المساعدة.
قبول الاختلاف والاستقطاب
لا يقتصر قبول الاختلاف على التسامح مع وجود الآخر، بل يشمل الاستعداد للعمل معه والاستماع إليه وقبول حقه في المشاركة وتولي المسؤولية. وقد يكون مجتمعنا متسامحاً في العلاقات اليومية، بينما يبقى أكثر تحفظاً عندما ينتقل الاختلاف إلى المنافسة على النفوذ أو الوظيفة أو القرار العام.
وتظهر حساسية الاختلاف خصوصاً حين تتصل بالهوية الدينية أو السياسية أو المناطقية، أو عندما يُختزل المجال العام في ثنائيات من قبيل الموالي والمعارض، والوطني والمشكك، والمحافظ والليبرالي. وعندما تصبح هوية الفرد مرتبطة كلياً بموقفه، يتحول النقاش من مراجعة الفكرة إلى الدفاع عن الذات، ويغدو الاعتراف بصواب جانب من رأي الخصم شبيهاً بالتراجع أو الهزيمة.
وقد تسهم منصات التواصل الاجتماعي في تضخيم هذا الاتجاه حين تتداول الدوائر المتشابهة الآراء الحادة دون تمحيص، ويقل تعرضها لوجهات النظر الأخرى. وقد يتحول الاختلاف عندئذ إلى تخوين، والنقد إلى إساءة شخصية، والشعبية الرقمية إلى معيار زائف لقيمة الرأي.
ومع ذلك، لا يصح تحميل وسائل التواصل وحدها مسؤولية الاستقطاب؛ فهي تكشف توترات قائمة كما تضخمها. والمواجهة لا تكون بتقييد النقاش المشروع، بل بتوسيع المجال أمام المعلومات الدقيقة والحوار المسؤول، وبناء ثقة تجعل الاختلاف جزءاً طبيعياً من الحياة العامة لا تهديداً للهوية الوطنية.
مخارج عملية لتجديد الثقة
تبدأ المخارج من وصل المراجعة الشخصية بعدالة مؤسسية يلمسها المواطن. فتجاوز الأنا يعني أن تتسع قدرتنا على الإنصاف وتصحيح الرأي مع الاحتفاظ بكرامتنا وانتمائنا. وتوفر قيم مجتمعنا الأردني في التكافل والإصلاح واحترام الإنسان أساساً لهذه المراجعة.
على المستوى الشخصي، نستطيع أن نتوقف قبل طلب استثناء أو الرد على نقد، ونسأل: هل نقبل الإجراء نفسه لمن لا نعرفه؟ وهل ندافع عن حق، أم عن صورتنا أمام الناس؟ وهل نستطيع الاعتراف بجانب صحيح في رأي من نختلف معه؟ قيمة هذه الأسئلة أن يوجهها كل منا إلى نفسه، بمن في ذلك الكاتب ومن تولوا المسؤولية العامة، وأن يترجمها إلى قبول المراجعة ورد الحق عند الخطأ.
ويتمثل المخرج المؤسسي الأول في تسهيل الوصول إلى الحق: إعلان شروط التوظيف والخدمات ومعايير المفاضلة، وتحديد مدد لإنجاز المعاملات، وإتاحة متابعة الطلب والتظلم من القرار مع بيان أسباب قبوله أو رفضه. وتفيد الرقمنة عندما تقترن بمساعدة متاحة لمن يصعب عليهم استخدامها. بذلك تقل حاجة المواطن إلى التدخل الشخصي، وتصبح عدالة الإجراء خبرة يومية.
والمخرج الثاني هو توسيع أثر التضامن الاجتماعي. تستطيع الدواوين والجمعيات العائلية والمهنية تعزيز المنح والتدريب والإرشاد والتشغيل وفق معايير واضحة للاستحقاق. وتبقى مساندة القريب واجباً كريماً حين تساعده على التأهل، والوصول إلى المعلومة، وإنصافه إذا تعرض للظلم. هكذا تقوى الروابط ويتسع نفعها مع صون فرص الآخرين.
أما المخرج الثالث فهو جعل تصحيح الخطأ ممكناً مع حفظ الكرامة. تستطيع المؤسسات توضيح مسار مراجعة القرارات وأسباب تعديلها، وتشجيع الاعتراف بالخطأ ومعالجته دون تشهير أو إعفاء من المساءلة. ويمكن لتقاليد الإصلاح بين الناس أن تسند هذا المسار برد الحقوق وتقريب وجهات النظر. وعندما يقدم أصحاب المسؤولية والمكانة هذه القدوة، يصبح التراجع عن الخطأ أيسر على الجميع.
ويقوم المخرج الرابع على تعاون يجمع أصحاب التجارب والانتماءات المختلفة حول مصالح ملموسة، كتحسين مدرسة أو خدمة حي أو تدريب شباب. وتتوزع المسؤوليات في هذه المبادرات ويُنسب النجاح إلى المشاركين جميعاً. كما تتيح المدارس والجامعات والدواوين والإعلام نقاشات يتعلم فيها المشاركون عرض الرأي المخالف بإنصاف ومراجعته بالحجة، فيصبح قبول الاختلاف ممارسة يمكن تعلمها.
وتحتاج هذه المسارات إلى سياسات توسع فرص العمل وتقلص تفاوت التنمية؛ فالوعي الشخصي لا يعوض غياب الفرصة أو عدالة توزيعها. ويمكن متابعة التحسن من سجلات إنجاز المعاملات والتظلمات وشفافية التعيينات، والاستطلاعات المنشورة دورياً، دون افتراض أن تحسن أي مؤشر يثبت وحده تراجع الأنا.
وتفيدنا فكرة إيكهارت تول في الانتباه إلى اللحظة التي يطغى فيها الدفاع عن الذات أو الجماعة على استعدادنا لفهم الآخر. أما تجديد العقد الاجتماعي فيتطلب أن يطمئن المواطن إلى نيل حقه، وأن تقبل المؤسسة المراجعة، وأن تجد الجماعة مجالاً لخدمة أبنائها ضمن عدالة تشمل الجميع. وعندما نقبل لأنفسنا ولمن نحب القاعدة المنصفة نفسها التي نطلبها للآخرين، نعزز تماسك مجتمعنا الأردني ونمنح انتماءاتنا المتعددة مجالاً أرحب لخدمة الوطن



















