+
أأ
-

جغرافيا الخنق: كيف تعيد الحواجز العسكرية رسم واقع الضفة الغربية

{title}
بلكي الإخباري

كشفت دراسة ميدانية حديثة عن تحولات جذرية في المشهد الجغرافي للضفة الغربية نتيجة التوسع المستمر في منظومة الحواجز العسكرية والبوابات الحديدية، حيث لم يعد الأمر مقتصرًا على عرقلة تنقل الأفراد بل امتد ليشمل إعادة هندسة المكان والتحكم في مفاصل الحياة اليومية للفلسطينيين.

وأظهرت البيانات الموثقة وجود نحو 925 عائقًا ثابتًا ومتحركًا تقطع أوصال المناطق الفلسطينية، مما يفرض قيودًا خانقة على ملايين السكان ويؤثر بشكل مباشر على قدرتهم في الوصول إلى مراكز العمل والمدارس والمستشفيات والأراضي الزراعية.

وبين التقرير أن هذه الأرقام تمثل زيادة قياسية وصلت إلى 43 بالمئة مقارنة بمتوسط العقدين الماضيين، مما يعكس تحولًا استراتيجيًا في سياسات السيطرة التي تجعل من التنقل بين المدن والقرى مغامرة محفوفة بالمخاطر وعدم اليقين.

بنية تحتية للسيطرة واقتصاد الارتهان

وأوضحت التحليلات أن الحواجز تحولت إلى ما يشبه البنية التحتية المرنة التي تتكيف مع المتغيرات الميدانية، حيث تفرض واقعًا من عدم اليقين يجبر المواطنين على تحمل تكاليف إضافية باهظة واستهلاك وقود مضاعف وضياع ساعات طويلة في انتظار فتح البوابات أو الحصول على تنسيقات أمنية.

وأضافت الدراسة أن هذا الوضع خلق ما يعرف باقتصاد عدم اليقين، إذ تسببت الإغلاقات المتكررة في تلف المحاصيل الزراعية وتعطل سلاسل التوريد، مما أدى إلى تراجع النشاط الاقتصادي وارتفاع تكاليف النقل والخدمات بشكل غير مسبوق في مختلف المحافظات.

وشدد الخبراء على أن المنظومة لا تكتفي بالإغلاق المادي، بل تمتد لتشمل الإغلاقات الخطية والكتل الترابية التي تعزل التجمعات السكانية عن بعضها البعض، مما يفكك النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمدن والقرى الفلسطينية بشكل منهجي.

الجغرافيا المهشمة وأثرها على المستقبل

وأكدت المعطيات أن مناطق حيوية مثل القدس ورام الله وبيت لحم والخليل تعيش واقعًا من التجزئة الجغرافية، حيث تتداخل شبكة الطرق الالتفافية والمستوطنات مع الحواجز العسكرية لتعيد رسم خرائط المنطقة وتفصل شمال الضفة عن جنوبها.

وتابعت الدراسة أن الأراضي الزراعية باتت تعاني من عزل حقيقي، حيث يقع جزء كبير منها خلف جدران الفصل أو يتطلب وصول المزارعين إليها تصاريح خاصة، مما يهدد الأمن الغذائي ويحول الأرض من مصدر رزق إلى عبء إضافي يخضع لمزاجية التصاريح العسكرية.

واختتمت النتائج بالتأكيد على أن هذه الحواجز باتت تشكل الذاكرة المكانية للأجيال الجديدة، حيث أصبحت عناصر التقييد جزءًا من المشهد اليومي الذي يحدد علاقة الإنسان بأرضه، ما يستدعي قراءة أعمق لهذه المنظومة كأداة سياسية تتجاوز الأهداف الأمنية المعلنة.