وثائق سرية تكشف انقسام اوروبا الحاد تجاه نظام القذافي في تسعينيات القرن الماضي

كشفت وثائق بريطانية حديثة النقاب عن حالة من التخبط والانقسام الدبلوماسي الحاد التي سادت أروقة الاتحاد الاوروبي خلال التعامل مع نظام معمر القذافي في منتصف التسعينيات. وأظهرت المراسلات المتبادلة وجود تباين جوهري في الرؤى بين العواصم الاوروبية حول جدوى الحوار مع طرابلس والرسائل التي ينبغي توجيهها للقيادة الليبية في ذلك الوقت. وأكدت التقارير ان الخلافات بدأت تتفاقم مع التحضير لزيارة وفد الترويكا الاوروبي الى ليبيا، حيث تضاربت المواقف بين دول فضلت الحزم واخرى مالت نحو المرونة الدبلوماسية.
واوضحت الوثائق ان بريطانيا وهولندا وفرنسا قادت تيارا متحفظا بشدة على نتائج الزيارة، معتبرة ان السلطات الليبية حاولت استغلال الموقف لتحسين صورتها دوليا دون تقديم تنازلات حقيقية في ملفات عالقة مثل الارهاب وقضية لوكربي. واضافت المراسلات ان لندن سعت عمدا لربط زيارة ليبيا بزيارة ايران في سياق دبلوماسي واحد لضمان عدم تفتيت الرسالة السياسية الاوروبية، وهو ما رفضته طرابلس واعتبرته تدخلا غير مقبول في سيادتها.
وبينت التقارير ان الوفد الاوروبي واجه تعقيدات كبيرة بسبب الشروط الليبية التي طالبت بتأجيل المباحثات او ادراج ملفات جديدة مثل الشراكة الاوروبية المتوسطية. وشدد الجانب البريطاني في تقييماته على ضرورة رفض المطالب الليبية، محذرا من ان الانصياع لها قد يمنح النظام الليبي غطاء سياسيا لا يستحقه في ظل استمرار التوترات المرتبطة بعملية السلام في الشرق الاوسط.
تباين المواقف الاوروبية حول التعامل مع طرابلس
واكدت الوثائق ان حالة من الانقسام ظهرت جليا بعد انتهاء المهمة، حيث اعربت بريطانيا عن استيائها من اداء الوفد الاوروبي الذي اتهمته بتجاوز التفويض الممنوح له في اجتماع باليرمو. واوضحت ان الرسائل التي نقلها الوفد للجانب الليبي كانت اكثر ودية مما كان متفقا عليه، وهو ما اعتبرته لندن خروجا عن المسار المرسوم للضغط على النظام.
واضافت هولندا صوتها الى الجانب البريطاني، مؤكدة ان التصريحات الايجابية الصادرة عن طرابلس لا تعكس تغييرا جوهريا في السياسات الليبية، وانه لا ينبغي منح مكافآت سياسية دون خطوات عملية ملموسة. واشار المراقبون الى ان هذه المواقف عكست رغبة دول شمال اوروبا في الحفاظ على نهج صارم لا يميل الى التهدئة مع السلطات الليبية في تلك المرحلة الحساسة.
واظهرت الوثائق في المقابل دفاعا مستميتا من اسبانيا وايطاليا عن اداء الوفد الاوروبي، حيث رأت مدريد ان المهمة نجحت في ايصال رسائل واضحة حول الارهاب. واوضحت روما ان الوفد التزم بقرارات الاتحاد الاوروبي وان التعامل مع الملفات التي طرحها الجانب الليبي كان في اطار الاستماع وتسجيل الملاحظات دون تقديم وعود او تنازلات سياسية.
خلفيات الصراع الدبلوماسي في التسعينيات
وبينت المراسلات ان فرنسا اتخذت موقفا وسطا يميل الى التحفظ، حيث ايدت الانتقادات المتعلقة بتجاوز التفويض الرسمي وعدم التركيز الكافي على ملف خرق الحظر الجوي. واكدت التقارير ان هذه الحقبة شهدت تداخلا معقدا بين المصالح الاقتصادية والاعتبارات الامنية التي حكمت علاقة اوروبا بليبيا قبل سنوات طويلة من التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة لاحقا.
واظهرت المراجعة التاريخية لهذه الوثائق كيف كانت العواصم الاوروبية تبحث عن توازن صعب بين الضغط السياسي والاحتواء الدبلوماسي، وسط محاولات مستمرة من طرابلس لكسر العزلة الدولية. واضافت الوثائق في ختامها ان تلك الزيارة لم تكن مجرد حدث عابر، بل كانت تجسيدا مبكرا للتحديات التي واجهت السياسة الخارجية الاوروبية في التعامل مع الانظمة العربية المثيرة للجدل خلال تلك الحقبة التاريخية.


















