مخططات التهويد في القدس.. كيف تتحول اقتحامات الاقصى الى واقع مفروض

تشهد باحات المسجد الاقصى تصاعدا خطيرا في وتيرة الاقتحامات التي ينفذها المستوطنون بحماية من الشرطة الاسرائيلية، حيث تثير هذه التحركات مخاوف جدية لدى المتابعين من وجود مساع حثيثة لتغيير الوضع القائم والتاريخي للمكان. وتظهر البيانات الصادرة عن محافظة القدس ارتفاعا قياسيا في اعداد المقتحمين خلال المواسم الاخيرة، لا سيما مع تزايد طقوس العبادة العلنية التي يتم اداؤها داخل باحات المسجد في خطوة تتجاوز الاقتحامات التقليدية الى محاولات فرض سيادة دينية.
واضافت التقارير الاحصائية ان الاف المستوطنين شاركوا في الاقتحامات الاخيرة بالتزامن مع فترات الاعياد، حيث سجلت الايام الماضية اعدادا غير مسبوقة للمتطرفين الذين يمارسون طقوسا تلمودية وصلوات جماعية تحت انظار السلطات الاسرائيلية. وشدد مراقبون على ان تراكم هذه الممارسات يهدف الى تحويل الانتهاكات الاستثنائية الى واقع يومي مفروض، مما يمهد الطريق امام فرض تقسيم زماني ومكاني للمسجد الاقصى بشكل تدريجي.
وبين مستشار محافظة القدس معروف الرفاعي ان الخطورة الحقيقية تكمن في محاولات المؤسسة الاسرائيلية خلق واقع جديد عبر ادخال الرموز الدينية والادوات الخاصة بالطقوس الى قلب المسجد. واكد ان هذه السياسة الممنهجة تسعى الى تطبيع وجود المستوطنين داخل الحرم القدسي، وتضييق الخناق على المصلين المسلمين وموظفي الاوقاف لضمان خلو الساحات من الحضور الاسلامي خلال فترات الاقتحام.
استراتيجيات اليمين المتطرف لفرض السيادة الدينية
وكشفت التحليلات السياسية ان هذا التصعيد ياتي بضوء اخضر من حكومة بنيامين نتنياهو، وبدعم مباشر من وزراء في الائتلاف الحاكم الذين يتبنون اجندات الجماعات الاستيطانية الساعية لهدم المسجد وبناء الهيكل المزعوم. واوضح الخبير في الشؤون الفلسطينية الاسرائيلية علي الاعور ان عشرات الالاف من المستوطنين اقتحموا المسجد منذ بداية العام، مشيرا الى ان هذه الاقتحامات تحولت الى اداة سياسية لجذب اصوات اليمين القومي في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
واشار الاعور الى ان بعض الفتاوى الدينية اليهودية التي كانت تحرم دخول المسجد بدأت تتراجع امام الضغوط السياسية والتحريض الذي تقوده جماعات متطرفة. واكد ان امتلاك القوة العسكرية في القدس لا يمنح الاحتلال اي شرعية او سيادة على المسجد الاقصى، محذرا من ان استغلال الانقسام العربي والظروف الدولية يغري الحكومة الاسرائيلية بالمضي قدما في هذه الاجراءات الاستفزازية.
واوضح الاكاديمي حسين الديك ان المسار القضائي الاسرائيلي بات يشكل تهديدا اضافيا، حيث ترفع جماعات الهيكل دعاوى امام المحكمة العليا للمطالبة بفتح المسجد امام اليهود في ايام محددة. وبين ان تكرار هذه الطقوس والصلوات الجماعية داخل باحات المسجد ليس مجرد تصرفات فردية، بل هو مشروع استراتيجي يهدف الى تحويل المسجد الاقصى الى مكان عبادة مشترك، وهو ما يرفضه الفلسطينيون بشكل قاطع بوصفه اعتداء على الهوية الاسلامية للمكان.
تحديات الهوية ومستقبل الوضع القائم
وكشف الباحث محمد هلسة ان وزير الامن القومي المتطرف ايتمار بن غفير يستغل كافة الظروف الاقليمية لتسريع وتيرة تهويد القدس. واضاف ان الحكومة الاسرائيلية تتعامل مع الاقصى كساحة صراع مركزية، وتعمل على فرض واقع جديد في منطقة باب الرحمة وغيرها من المواقع الحساسة داخل المسجد، معتبرة ان الكلفة السياسية لهذه الافعال تبقى ضمن نطاق السيطرة الاسرائيلية.
وذكر مدير مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية زياد الحموري ان مساعي اقامة الهيكل المزعوم لم تعد مجرد شعارات، بل انتقلت الى خطوات عملية تشمل رصد ميزانيات ضخمة ومشاريع هندسية ونماذج افتراضية تروج لها جماعات الهيكل. واكد ان استخدام مصطلحات مثل جبل الهيكل بدلا من المسجد الاقصى يهدف الى طمس الرواية التاريخية الفلسطينية واستبدالها برواية توراتية مختلقة تخدم الاطماع الاستعمارية.
وختم الحموري بالقول ان كل هذه الممارسات، من اقتحامات وادخال قرابين نباتية ومحاولات قضائية، تصب في خانة واحدة وهي تغيير الوضع القائم منذ عام 1967. واكد ان صمود المقدسيين ودور الاوقاف الاسلامية يظلان الحائط الاخير في وجه هذه المخططات التي تهدد بتفجير الاوضاع برمتها في المنطقة نتيجة المساس بحرمة الاقصى.


















