جنازة النميري تعيد السودانيين الى الماضي وتثير جدلا واسعا عبر منصات التواصل

شهدت منصات التواصل الاجتماعي في السودان حالة من التفاعل غير المسبوق مع منشور وثق لحظات جنازة الرئيس الراحل جعفر النميري، حيث تجاوزت معدلات المشاهدة حاجز الثمانية ملايين في اقل من يوم واحد. واثار هذا التفاعل تساؤلات حول سر تعلق السودانيين بصور الماضي واستحضار حقبة حكم النميري، خاصة في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد.
واوضح مدير الصفحة التي نشرت المحتوى واصل علي طه، ان هذه الارقام تعد الاعلى في تاريخ المشروع التوثيقي، مشيرا الى ان الصورة التي ظهر فيها نعش النميري محمولا على اعناق الضباط بحضور الرئيس المعزول عمر البشير، لعبت دورا محوريا في تحفيز خوارزميات المنصات للانتشار السريع.
واضاف طه ان الاقبال الكبير يعكس الصورة الذهنية التي يحتفظ بها قطاع واسع من الشعب تجاه النميري، الذي يراه البعض رمزا للحزم والقوة في ادارة الدولة، رغم ما تخلل فترة حكمه من قمع للمعارضين وتحديات سياسية كبرى تركت بصماتها على الذاكرة الجماعية.
استحضار التاريخ في زمن الازمات
وبين طه ان الحرب الحالية وما تبعها من تراجع في حضور مؤسسات الدولة دفع الكثيرين للبحث عن بدائل في التاريخ، حيث يميل السودانيون لاستحضار صورة الحكم السابق للمقارنة مع الواقع المعاش، بصرف النظر عن مواقفهم السياسية المسبقة من سياسات تلك الحقبة.
واكد ان التفاعل لم يقتصر على كبار السن الذين عاصروا تلك الفترة، بل امتد ليشمل الشباب الذين تستهويهم الصور والتسجيلات القديمة، وهو ما يفسر رغبة الجمهور في البحث عن جذور الازمات الراهنة من خلال قراءة الاحداث التاريخية في سياقها الاصلي.
وكشفت التعليقات المرافقة للمنشور عن رغبة عارمة في المقارنة بين الازمات الاقتصادية والسياسية التي شهدتها العقود الماضية وما يواجهه السودان اليوم، مؤكدا ان الذاكرة الشعبية كثيرا ما تعيد صياغة الماضي بصورة اكثر مثالية مما كان عليه في الواقع.
التوثيق الرقمي وتحديات الذاكرة
واشار طه الى ان المشروع يعتمد على اسلوب سردي مبتكر يحاكي نشر الاخبار وقت حدوثها، مما يمنح المتابعين تجربة بصرية ومعرفية فريدة، بعيدا عن السرد التاريخي الطويل الذي قد يفتقر الى عنصر التشويق.
واضاف ان عملية التوثيق تواجه عقبات تقنية ومعرفية كبيرة، ابرزها ندرة الوثائق الاصلية وتضارب الروايات حول الاحداث السياسية الحساسة، الامر الذي يتطلب جهدا مضاعفا في التحقق لضمان المصداقية والحفاظ على ثقة المتابعين.
وختم طه بالقول ان الهدف من هذه المنشورات هو تقديم التاريخ كما هو دون انحياز، معتبرا ان فهم جذور المشكلات السودانية يتطلب العودة الى المصادر الاولية وتفكيك الذاكرة الانتقائية التي قد تشوه الحقائق التاريخية لصالح الحنين الى الماضي.

















