في حوار متلفز عبر قناة المملكة، سلط عضو مجلس الأعيان الدكتور عمار القضاة الضوء على ملامح التعديلات الهامة التي يشهدها قانون العقوبات الأردني، كاشفًا عن الأسباب الكامنة وراءها والآمال المعلقة على تطبيق العقوبات البديلة.
وأكد القضاة أن التوجه نحو تعزيز العقوبات البديلة يمثل نقلة نوعية في فلسفة العقاب، حيث يتبنى المشرع خيارات تتيح للمحكوم عليه البقاء ضمن نسيجه المجتمعي بعيدًا عن أسوار السجون. ووصف هذه البدائل بأنها “حلول مبتكرة” تحمل في طياتها فعالية أكبر في تحقيق أهداف العدالة وتقليل الآثار المدمرة للعقوبات التقليدية السالبة للحرية.
وكشف أن الدافع الأبرز لهذه التعديلات هو مواجهة التحدي المتفاقم المتمثل في الاكتظاظ الشديد داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، والذي وصل إلى مستويات حرجة تجاوزت 180%. وأشار إلى أن إيجاد بدائل للعقوبات السالبة للحرية يمثل ضرورة ملحة لتخفيف هذا الضغط.
وفي هذا السياق، لفت القضاة إلى أن “الإسوارة الإلكترونية” تبرز كأحد الحلول الواعدة، حيث تمكن من مراقبة تحركات المحكوم عليه عن بعد، مما يساهم في تخفيف الاكتظاظ ويحول دون اختلاط المحكومين الجدد أو مرتكبي الجرائم البسيطة مع العناصر الخطرة داخل مراكز الإصلاح، بالإضافة إلى تقليل التكلفة المالية المخصصة لكل نزيل.
وكشف عن حجم الضغط الهائل على مراكز الإصلاح والتأهيل، مشيرًا إلى أن عدد المكالمات الهاتفية التي تجرى داخلها سنويًا يتجاوز مليوني مكالمة.
وأوضح القضاة أن التعديلات الجديدة تفتح آفاقًا رحبة لتعزيز “التصالح المجتمعي” بين الأطراف المتنازعة، مؤكدًا أن الفكرة الأساسية تكمن في إيجاد مساحة للحوار والتسوية بين المشتكي والمشتكى عليه، مما يفسح المجال للاستفادة من بدائل العقوبات.
كما بشر بإمكانية استبدال المدة المتبقية القصيرة من العقوبة بغرامة مالية، شريطة أن يكون المحكوم عليه قد أظهر سلوكًا حسنًا خلال فترة محكوميته، وهو ما يمثل فرصة جديدة لإعادة الاندماج في المجتمع.
وأكد القضاة على أن “العدالة الجزائية ليست مجرد عقاب”، بل هي أداة شاملة لتحقيق التوازن في المجتمع، وحماية الحقوق، وصون الحريات، والحفاظ على الأمن والسلم المجتمعي، والأهم من ذلك، إعادة تأهيل الأفراد الذين أخطأوا ودمجهم في النسيج الاجتماعي.
وشدد على أن الاعتماد المفرط على العقوبات السالبة للحرية أفضى إلى تحديات جمة، بدءًا بالتأثيرات السلبية على المحكومين وأسرهم، مرورًا بالاكتظاظ والتكاليف الباهظة، وصولًا إلى انقطاع المحكوم عليه عن مصدر رزقه وصعوبة إعادة إدماجه واحتمالية العودة إلى الجريمة.
واستعرض أنواع العقوبات البديلة المتاحة حاليًا في الأردن، والتي تشمل الخدمة المجتمعية، والمراقبة الإلكترونية عبر الإسوارة، والمراقبة المجتمعية عبر البرامج التأهيلية، وحظر ارتياد أماكن معينة، مؤكدًا أن الهدف الأسمى من تطبيقها هو تجنيب المحكوم عليهم الآثار السلبية للسجن ومنحهم فرصة ثانية للانخراط الإيجابي في المجتمع.
وأشار إلى التزام الحكومة بتوسيع نطاق تطبيق هذه البدائل، لافتًا إلى أن وزارة العدل أشرفت خلال عام 2024 على تنفيذ ما يقارب 3700 حكم بديل عن العقوبات السالبة للحرية.
يُذكر أن مجلس الوزراء الأردني قد أقر مؤخرًا الأسباب الموجبة لمشروع قانون معدِّل لقانون العقوبات لسنة 2025، تمهيدًا لإرساله إلى ديوان التشريع والرأي لاستكمال إجراءات إصداره بشكل مستعجل. ويهدف القانون بشكل أساسي إلى التوسع في تطبيق العقوبات البديلة، وزيادة الشرائح المستفيدة منها، ومواكبة مفاهيم العدالة الإصلاحية والتصالحية، واستحداث آليات لوقف تنفيذ العقوبات وتأجيل أو تقسيط الغرامات، بما يخدم جهود إعادة تأهيل الجناة والحد من اكتظاظ السجون.
اترك تعليقاً