كثيرًا ما تأسرنا الشخصيات الجديدة التي نلتقيها، فنرى فيها بريقًا استثنائيًا يجعلها تبدو مختلفة ومتفردة. هذا الانبهار الأولي يشبه وهجًا مباغتًا، يخطف الأبصار لكنه لا يعكس الحقيقة كاملة. ومع مرور الوقت، يبدأ ذلك النور في الخفوت شيئًا فشيئًا، ليكشف عن ملامح الواقع التي ربما لم نكن نراها بوضوح منذ البداية.
سطوة الانبهار الأولي
الافتتان السريع بالآخرين أمر متجذر في الطبيعة البشرية، فنحن غالبًا ما نرى الأشخاص كما نحب أن يكونوا، لا كما هم عليه في حقيقتهم. حين نلتقي بشخص جديد، خاصة إذا امتلك حضورًا قويًا أو خطابًا مؤثرًا أو مظهرًا آسرًا، تميل أذهاننا إلى إسقاط توقعاتنا عليه، فنخلع عليه صفاتٍ قد لا تكون فيه.
غالبًا ما يكون هذا التقدير الأولي نابعًا من حاجتنا اللاواعية لإيجاد قدوة، أو نموذج يُكمل نقصًا نشعر به في حياتنا. لذا، فإننا في كثير من الأحيان نمنح الآخرين هالةً من التميز لا تستند إلى معرفة حقيقية، وإنما إلى توق داخلي يدفعنا لرؤية الأمور بعين التمنّي لا عين الواقع. لكن الزمن وحده كفيل بكشف الفارق بين الصورة الذهنية التي صنعناها، والحقيقة التي لم نرَ منها سوى جانبها المضيء.
الزمن.. محك الحقيقة
يبقى الوقت هو المحكّ الأصدق في اختبار جوهر الأشخاص. فكما يزيل المدّ الرمال عن صخور البحر، كذلك تكشف الأيام عن المعادن الحقيقية لمن حولنا. أولئك الذين يبهروننا سريعًا قد يكونون بارعين في رسم صورة متألقة لأنفسهم، لكنهم لا يملكون من الثبات ما يحفظ بريقهم مع مرور الزمن. وعلى النقيض، هناك من قد يبدون عاديين في البدايات، لكنهم مع الوقت يثبتون أنهم أكثر عمقًا واستحقاقًا للثقة والاحترام.
من هنا، فإن بناء العلاقات على أسس الانبهار اللحظي قد يقود إلى خيبات متكررة. فالتسرع في الحكم على الأشخاص، سواء بالرفع أو الخفض، يجعلنا أسرى للوهج العابر، ويعمي بصائرنا عن إدراك حقائق قد تكون أكثر أهمية مما تراه أعيننا لأول وهلة.
التريث.. فن الاكتشاف الحقيقي
في عصر تسوده السرعة والأحكام المتعجلة، أصبح من الضروري أن نتحلى بالتريث في تقييم من حولنا. لا ينبغي أن ننخدع بالبريق الأول، كما لا ينبغي أن نغفل عن الجواهر التي لا تتكشف إلا لمن يمنحها الوقت الكافي لتظهر قيمتها الحقيقية.
العلاقات الحقيقية لا تقوم على لحظة إعجاب خاطفة، بل على تجربة ممتدة تكشف الصدق، وتختبر الثبات، وتؤكد أن الشخص الذي يستحق البقاء في حياتنا ليس مجرد بريق مؤقت، بل نور حقيقي لا يخفت مع الزمن.
الأستاذ الدكتور صلحي الشحاتيت
اترك تعليقاً