عندما تتحول العقوبات إلى مسار قضائي

إلهام لي تشاو
الخطوة الأميركية الأخيرة المرتبطة بملاحقة قضائية بحق الرئيس الفنزويلي لا يمكن قراءتها بوصفها حدثا قانونياً منفصلا، ولا حتى باعتبارها مجرد تصعيد سياسي تقليدي. ما يجري يعكس توجها أعمق: إعادة توظيف العقوبات عبر الأدوات القضائية، بما يحول القانون من إطار منظم للعلاقات الدولية إلى أداة ضغط عابرة للحدود.
لطالما ارتكز النظام الدولي، نظريا على الأقل، إلى مبادئ منظومة ويستفاليا: سيادة الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والمساواة القانونية بين الكيانات السياسية. ورغم ما تعرضت له هذه المبادئ من تآكل على مدى العقود الماضية، فإنها بقيت تمثل الحد الأدنى من القواعد التي تمنح النظام الدولي قدرا من القابلية للتوقع. غير أن إدخال القضاء الوطني لدولة واحدة في قلب الصراع الجيوسياسي يضع هذه القواعد أمام اختبار غير مسبوق.
في السنوات الأخيرة، لم تعد العقوبات الأميركية تقتصر على القيود الاقتصادية أو العزل المالي، بل بدأت تتخذ طابعا أكثر مؤسسية واستدامة. من خلال توسيع نطاق القوانين الداخلية وربطها بآليات إنفاذ دولية، يتم تحويل التقدير السياسي إلى إجراء قانوني، بما يمنحه طابعا دائما ويقلل من فرص التراجع عنه. جوهر هذا المسار لا يكمن في نصوص القوانين ذاتها، بل في احتكار حق تعريف الشرعية، وتفسير القواعد، وتحديد من تنطبق عليه ومن يستثنى منها.
هذا التحول يرتبط بشكل وثيق بالمشهد السياسي الداخلي في الولايات المتحدة. فمع تصاعد النزعات الشعبوية والاتجاهات الأحادية، باتت القضايا الخارجية تستَخدم كأدوات تعبئة داخلية، وأصبح التشدد في السياسة الدولية جزءا من المنافسة السياسية المحلية. في هذا السياق، لم يعد القضاء محايدا تماما، بل جرى دفعه تدريجيا إلى لعب دور وظيفي في خدمة خيارات القوة.
النتيجة المباشرة لذلك هي إضعاف الحدود الفاصلة بين القانون والسياسة، وبين السيادة والولاية القضائية. فعندما تمد دولة ما نطاق قوانينها خارج أراضيها، تتحول السيادة من مبدأ متبادل إلى مفهوم مشروط بميزان القوة. وبهذا المعنى، لا يعود نظام ويستفاليا مجرد إطار نظري متآكل، بل يصبح هدفا مباشرا لإعادة الصياغة.
بالنسبة للدول العربية، لا يمثل هذا التطور نقاشا نظريا بعيدا، بل يلامس صلب حسابات الأمن والاستقرار. ففي عالم شديد الترابط، لم تعد المخاطر محصورة في التهديدات العسكرية أو الضغوط الدبلوماسية، بل امتدت إلى الأصول المالية، وحركة الأفراد، واستمرارية المشاريع العابرة للحدود. وعندما تُدرج الأدوات القضائية ضمن منظومة العقوبات، تصبح دائرة المخاطر أوسع وأقل قابلية للضبط.
من هنا يمكن فهم توجه العديد من الدول العربية خلال السنوات الأخيرة نحو تنويع الشراكات وتقليص الاعتماد الأحادي. فتعزيز التعددية في العلاقات الدولية، والبحث في بدائل التسوية المالية، والاستثمار في البنى التحتية الحيوية كالموانئ والطاقة والاتصالات والزراعة، لا يعكس رغبة في المواجهة، بل سعيا إلى تحصين السيادة في بيئة تتسم بتسييس القواعد.
الأهم من ذلك أن هذه المقاربات لا تعني الانسحاب من النظام الدولي القائم، بل محاولة العمل داخله مع توزيع المخاطر وعدم رهن المصالح الوطنية لتقلبات السياسة الداخلية في دولة واحدة. فحين تصبح القواعد عرضة للتأويل المتكرر، يصبح الاعتماد المفرط على أي محور مخاطرة بحد ذاته.
إن دفع العقوبات نحو المسار القضائي قد يوفر، على المدى القصير، أدوات ضغط أكثر حدة، لكنه على المدى الطويل يهدد الأساس الذي يقوم عليه النظام الدولي نفسه. فكلما جرى تجاوز مبادئ السيادة وعدم التدخل بشكل انتقائي، تراجعت ثقة الدول بالقواعد المشتركة، وازدادت الحاجة إلى البحث عن بدائل تضمن الحد الأدنى من الاستقرار.
عندما تتحول العقوبات إلى مسار قضائي، فإن ما يعاد تشكيله ليس مصير دولة بعينها، بل طبيعة النظام الدولي وحدوده. وبالنسبة للدول العربية، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاصطفاف أو المواجهة، بل في كيفية الحفاظ على هامش الحركة واليقين التنموي في عالم تُعاد فيه كتابة القواعد تحت ضغط القوة لا التوافق.
وذلك، ربما، هو الدرس الأعمق الذي تحمله هذه اللحظة الدولية.


















