فيجا ابو شربي تكتب : حين يصمت العالم… يسقط القانون

أخطر ما يمكن أن يحدث في العلاقات الدولية ليس ارتكاب جريمة جسيمة، بل أن تمرّ هذه الجريمة دون اعتراض،
ودون تسمية واضحة، ودون ردّ يليق بحجم الخرق.
في القانون الدولي، هناك قاعدة راسخة لا خلاف عليها تُعرف بـالحصانة الشخصية لرؤساء الدول (Immunity Ratione Personae).، هذه القاعدة تمنح رئيس الدولة القائم في منصبه حصانة كاملة من الولاية الجنائية والقضائية للدول الأجنبية، مهما كانت طبيعة الاتهام. هذه القاعدة صمام أمان للنظام الدولي، أكّدته محكمة العدل الدولية، وقامت عليه فكرة السيادة منذ قرون.
ومعنى ذلك واضح: لا يجوز القبض على رئيس دولة أجنبي، ولا اختطافه، ولا محاكمته، ولا نقله قسرًا للمثول أمام محكمة وطنية لدولة أخرى طالما كان في منصبه. وحين يحدث العكس، لا نكون أمام إجراء قانوني، بل أمام خرق سافر لمبدأ السيادة، وهو المبدأ الذي تأسس عليه النظام الدولي منذ معاهدة وستفاليا عام 1648.
اختطاف رئيس دولة من إقليمه أو خارجه دون موافقة دولته هو اعتداء مباشر على تلك السيادة، ويُعد عملًا غير مشروع دوليًا، بل جريمة دولية مركّبة تنطوي على استخدام غير مشروع للقوة وانتهاك خطير للقانون الدولي لحقوق الإنسان.
القانون الدولي لا يجيز محاكمة رئيس دولة خارج بلده إلا في حالة واحدة فقط:أن تكون المحاكمة أمام محكمة دولية مختصة، لا أمام محكمة وطنية، مثل المحكمة الجنائية الدولية أو محكمة خاصة أُنشئت بقرار دولي صريح.
أما الذرائع الشائعة—كمكافحة المخدرات أو الإرهاب—فلا وزن لها قانونيًا طالما أن الشخص رئيس دولة قائم. والولاية القضائية العالمية، حين تُستدعى، تُطبّق على أفراد عاديين أو مسؤولين سابقين، لا على رؤساء دول في مناصبهم. حتى عدم الاعتراف السياسي برئيس دولة لا يُلغي واقعه القانوني ما دام رئيسًا فعليًا (De Facto & De Jure).
وفق ميثاق الأمم المتحدة، يُحظر التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتُحترم سيادتها. وأي اختطاف أو محاكمة قسرية لرئيس دولة يُعد خرقًا مباشرًا لهذا الميثاق.
لكن، ورغم وضوح القاعدة، يبقى سؤالي الأخطر: لماذا الصمت؟
أنا أرى أن الجريمة—مهما بلغت فداحتها—تبقى حدثًا استثنائيًا. أما الصمت الدولي، فهو تحوّل في القاعدة نفسها. الصمت ليس حيادًا؛ إنه تشريع ضمني إنه قتل لفكرة القانون، لا لشخص واحد. الصمت يصنع سابقة أخطر من الجريمة ذاتها، إذ يُحوّل القوة إلى مصدر للشرعية، ويُرسّخ منطقًا بدائيًا مفاده: من يملك القوة يملك الحق.
هذا الصمت ينسف ثقة الدول الصغيرة نهائيًا في النظام الدولي، ويدفعها إلى خيارات كارثية: سباق تسلّح، تحالفات سرية، فوضى داخلية، أو الارتماء تحت جناح قوة كبرى. والنتيجة واحدة: عالم أقل استقرارًا وأكثر عنفًا.
التاريخ لا يترك مجالًا للشك. كل الجرائم الكبرى سبقها صمت، ثم تطبيع، ثم اعتياد.
وحين يصبح الخرق مألوفًا، يسقط القانون دون إعلان.
الخلاصة بسيطة وقاسية في آن: الجريمة قد تكون فعلًا استثنائيًا، لكن الصمت يُغيّر قواعد اللعبة، ويُعيد تعريف الشرعية، ويهدم ما تبقّى من النظام الدولي. وحين يسقط القانون بالصمت، لا يعود الخطر في الجريمة ذاتها، بل في تحوّلها إلى قاعدة غير معلنة— قاعدة يدفع ثمنها الجميع، لا الضحية وحدها.


















