+
أأ
-

البرفسور عبد الله سرور الزعبي يكتب : من خرائط صراع الآلهة القديمة إلى خرائط صراع الانابيب

{title}
بلكي الإخباري

مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية

قبل أن يولد مفهوم الإله الواحد، عاش الإنسان في عالم تحكمه آلهة متعددة تتصارع على السلطة والمعنى. في سومر وبابل، كانت كل مدينة تحكمها آلهة خاصة، لكل منها جيشها وكهنتها، تمامًا كما يحكم الملوك الأرض. وفي مصر القديمة، تجسد الصراع الأسطوري بين سيث وأوزيريس، ليصبح تعبيرًا مبكرًا عن الشرعية السياسية اكثر منها كصراع بين الخير والشر.

أما الإغريق فحوّلوا جبل الأولمب إلى مجلس ينازع فيه زيوس بقية الآلهة على النفوذ، كما تتنازع الدول اليوم على الموارد والممرات البحرية. في الإلياذة اليونانية القديمة، يظهر إينياس وسط صراع آلهة متنازعة، إله البحر، وإلهة الجمال، وإله الحرب، وغيرها، لكلٍ منها هدف مختلف، حتى يصل إلى روما الأبدية التي انهارت بعد قرون.

هذا التعدد في الآلهة خلق قلقًا دائمًا، من يضع القانون؟ ومن يضمن العدالة؟ الفلاسفة القدماء لاحظوا أن غياب المرجع الواحد يولّد الفوضى. أفلاطون رأى أن المدينة التي تخضع لآلهة متعددة ستنهار، وأرسطو ربط قوة الدولة بوحدة غايتها، بينما حلم الرواقيون بانسجام الإنسان مع عقل كوني واحد.

مع ظهور الديانات التوحيدية، تغيّر المشهد جذريًا، لا آلهة متصارعة، بل إله واحد، ومرجع وغاية وقانون واحد، وحدود للسلطة. أصبح التوحيد ليس مجرد عقيدة دينية، بل ثورة معرفية وضبطاً للعلاقة بين السماء والأرض، وأسس لعقد أخلاقي يربط الحاكم بالمواطن، حيث تصبح الحكمة، لا الفوضى، معيار الحكم.

التوحيد، بمعناه السياسي، أن توحّد الدولة قرارها الداخلي قبل أن تبحث عن مقعد لها على الطاولة الدولية. لكن كثيراً من الدول تضع مصيرها في يد أكثر من جهة، واشنطن لتأمين الحماية كونها تحدد من يصعد او يهبط، وموسكو لضمان التوازن والطاقة، وبكين لضمان التجارة، وأوروبا للحفاظ على التوازن ما أمكن، والبعض يتقرب من إسرائيل، لضمان البقاء في الدائرة الأميركية وغيرها. النتيجة، بعض الشعوب تائهة الى حد ما، ومواردها خارج سيطرتها، وخرائطها تُرسم من دونهم.

القرن الحادي والعشرين يشهد عودة مقنّعة لصراع الهة القديمة، لكن بأسماء حديثة، الاسواق والطاقة، والتحالفات العسكرية، والتكنولوجية، والإعلام، والبيانات الرقمية، وغيرها، حيث يتحكم كل منها بجزء من مصير الشعوب. المفارقة أن العالم، الذي ادّعى تجاوز الأساطير، يعود اليوم إلى ما يمكن تسميته بالوثنيات الجديدة، السلاح، والمال والديون، والتكنولوجيا والبيانات، والطاقة، والمعرفة.

الحروب لم تعد ترفع الراية المقدسة، لكنها تجري تحت شعارات، الأمن القومي، وحماية الأسواق، وحماية الممرات، واستباق الخصوم، وغيرها. ومع توسّع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، يطل سؤال مرعب، من يحكم العالم فعلًا؟

فتحت شعار الامن القومي، الولايات المتحدة وروسيا والصين وأوروبا، تتنازعان النفوذ من أوكرانيا وحتى البحر الكاريبي، مروراً بالشرق الاوسط، وافريقيا، حتى بحر الصين، نزاع يرسم بالدم والغاز والمعرفة، وخرائط جديدة تتشكل لم يعرفها العالم من قبل.

حرب أوكرانيا ليست مجرد صراع حدود، بل حرب خطوط أنابيب، نورد ستريم الذي كان يغذي أوروبا بالغاز الروسي تم استهدافه، وبدائله تأتي من الغاز الأميركي المسال أو شرق المتوسط عبر خط إيست ميد وغيرها.

المشهد واضح، خطوط الغاز التي تربط روسيا بأوروبا لم تكن مجرد شرايين للطاقة، بل شرايين سياسية تمسك بمصير قارة بأكملها. الكرملين يستخدمه لفرض إيقاعه على الغرب، بينما الاتحاد الأوروبي يتخبط بين البحث عن بدائل رخيصة، واسترضاء ناخبيه القلقين من النقص فيها، وضعف في النمو الاقتصادي. موسكو باشرت بالبدائل عبر أنابيب بديلة إلى الصين والهند، تاركة أوروبا تصارع أزمتها.

منذ أيام الإسكندر المقدوني، لم تُكتب خرائط الشرق الأوسط بالحبر وحده، بل بخطوط التجارة والموارد، وبالدم عند اشتداد المنافسة.

الشرق الأوسط الذي وُلدت فيه ديانات التوحيد، يمتلك اليوم حوالي 50℅ من احتياطي النفط العالمي المؤكد (تقدر 902 مليار برميل من اصل 1.75 في العالم)، وأكثر من 37% من احتياطي الغاز المؤكدة (84 تريليون متر مكعب من اصل 224، حسب بعض التقديرات). بذلك فهو ليس فقط ساحة للروحانيات، بل مركز الإمدادات الحيوية، والممرات العالمية الرئيسية.

في شرق المتوسط، الغاز أصبح الخيط الخفي الذي تتقاطع فيه المصالح. إسرائيل وقبرص واليونان تدفع نحو خط إيست ميد، وتركيا تعرض بدائل عبر أراضيها، ومصر تسعى لتكون مركزاً إقليميًا لتسييل الغاز. كل طرف يمد يده إلى البحر، بينما تقف شركات الطاقة العالمية، من توتال الفرنسية إلى إيني الإيطالية، وشيفرون الأميركية، كآلهة السوق، تحدد من ينتج ومن يصدّر، ومن يُترك خارج اللعبة.

حقول الغاز البحرية، التي لم تُستثمر بعد، ليست مجرد موارد اقتصادية، بل ساحات صراع جيوسياسية تحدد ملامح القوة لعقود قادمة.

في الشرق الأوسط، ليس الغاز وحده اللاعب، بل تحت شعار قوة السلاح، تُختزل المأساة في معادلة الحديد والنار. إسرائيل، تخوض حربًا تحت غطاء الحق في الدفاع عن النفس، فيما تُستغل القضية الفلسطينية كورقة ضغط في كافة تحركاتها الجيواستراتيجية، وتُستخدم كورقة تفاوضية في ملفات أوسع، من النووي الإيراني إلى اتفاقيات الغاز البحري بين إسرائيل ولبنان، الى الاتفاقيات الابراهيمية والدولية المختلفة. انها تخوض حرب كسر الارادات.

خرائط الشرق الأوسط منذ عصر الاسكندر المقدوني تُعاد قراءتها وباستمرار، تتغير الحدود، والتحالفات تُبنى وتنهار. اليوم تتجلى المعادلة، من يسيطر على الانابيب، والمضائق البحرية، يملك ورقة ضغط على قارات كاملة.

الشرق الاوسط، أصبح ساحة لتقاطعات غير مسبوقة، واشنطن تحاول الحفاظ على دورها كقوة ضاغطة، وكمحرك للمعادلة وبأقل تكلفة، وتستخدم الغاز والنفط، والاتفاقات الإقليمية كورقة ضغط في كل الاتجاهات. بينما تزحف الصين لتعزيز حضورها الاستراتيجي، عبر عقود الطاقة والاستثمار، وبعيدًا عن الصراعات المباشرة. روسيا، تريد شرق أوسط مشغولًا، وتدوير أزمة أوكرانيا لتعزيز نفوذها، وتعيد تموضعها للمحافظة على وجودها في سواحل المياه الدافئة، والحفاظ على أسواق الطاقة بأسلوب يضمن بقاء أوروبا تحت الضغط. أوروبا، المحاصرة بأزماتها، تدرك أن أي انفجار في الشرق الأوسط قد يعصف بخططها.

دول إقليمية، مثل تركيا تلعب على التوازنات، فهي عضو في الناتو، وشريك لروسيا في الطاقة، ومفاوض رئيسي في ملفات غزة وغاز المتوسط، ونسبياً في أوكرانيا.

إيران استخدمت الحرب في غزة لتعزيز موقعها الإقليمي، وتربط بين ملفات لبنان وسوريا والعراق واليمن، وإنتاج الطاقة والتحالف مع روسيا والصين، وتستغل الازمات الداخلية، للمقايضة المتفاقمة بالصراعات الخارجية.

الخليج يتحرك ببراغماتية عالية بين الطاقة والمال، محافظًا على علاقاته مع واشنطن، بينما يوسع شراكات اقتصادية مع آسيا وأوروبا.

إذا كان فيرجيل قد كتب الإلياذة، ليمنح روما أسطورة تؤسس قوتها، فإن شعوب المنطقة اليوم تحتاج إلى الياذة جديدة، تقودها فلسفة وحدة المصير (لا من منطلق انجو سعد فقد هلك سعيد)، وإلا فإن أوكرانيا وغزة وصراع الغاز لن تكون سوى مقدمات لملحمة أكبر، تكتبها القوى العظمى، وتُقرأ فصولها على خرائط مستقبلية من الصعب التنبؤ بشكلها.

ما يجري اليوم هو إعادة رسم خريطة النفوذ العالمي، حيث الغاز والنفط والمعرفة التكنولوجية، والبيانات الرقمة، هي خطوط الدم التي تغذي السياسة.

الأردن في قلب الجغرافيا المعقدة، حيث تُرسم خرائط النفوذ بخطوط الدم والغاز، موقعه يضعه أمام فرص استراتيجية هائلة، لكنه أيضًا يعرضه لمخاطر جسيمة.

هنا تبرز الحقيقة الجوهرية، الأردن لن ينافس بالموارد (وخاصة النفطية والغازية)، بل بالعقول. فالتعليم، هو خط الأنابيب الأردني الذي لا ينضب، إذا صُمم نظامه ليكون مصنعًا للكفاءات ومختبرًا للابتكار، ليمتلك جيل يجمع بين المهارات التقنية والفكر النقدي، وقادر على تصميم التكنولوجيا واختراق أسواق الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والهندسة المتقدمة، لتصبح مهارته السلاح الحقيقي. لكن لا يمكن ان يحدث هذا في ظل بعض العقليات التي ادارت وتدير قطاع التعليم، وترسم مستقبل الدولة من خلاله.

التجارب الدولية تثبت بوضوح، جميع الدول، التي نجحت، فهمت مبكرًا أن الجغرافيا يمكن أن تصبح فرصة، إذا صُممت لها خطط بعيدة المدى، وأن انتظار الحظ ليس استراتيجية.

الخيارات الاستراتيجية الواقعية للأردن واضحة، ان يتحوّل إلى عقدة عبور إقليمي للطاقة، والانخراط في المشاريع الاقليمية المشتركة، واقتصاد أخضر ذكي، وتحويل الاستقرار إلى قيمة تفاوضية، وتعليم موجّه للسوق والابتكار.  

هذه الخيارات، يجب أن تنطلق من فلسفة التحرك ضمن خطة دقيقة، تحفظ مكانته وسط هذه الخرائط المتشابكة، لكيلا يجد نفسه في معادلة تُكتب في عواصم أخرى.

كما كان البشر في الماضي يخشون صراع الآلهة، ثم جاء التوحيد ليمنح العالم فكرة المرجع الواحد، يعود العالم إلى صراعات الالهة، لكن بأقنعة جديدة.

التاريخ لا يُكتب بالقوة وحدها، بل بخيارات الحكمة والقدرة على تحويل الموارد المتاحة إلى قوة استراتيجية. من أوكرانيا إلى غزة، ومن خطوط الغاز إلى العقول الأردنية، الرسالة واحدة، من يسيطر على عناصر القوة الشاملة، او أحد عناصرها كالمعرفة مثلاً يساهم في كتابة التاريخ، ومن يترك مصيره للآخرين، يكتب له في ملحمة الأمم.

التاريخ يكرّم من يستعدّ مبكرًا، ومن يدرك أن الازمات ليست قدرًا نهائيًا، حيث يمكنه أن يحوّل الرياح ذاتها إلى قوة تدفعه نحو مستقبلٍ آمن ومؤثر.