د.فوزان العبادي يكتب : الغطرسة الأمريكية حين تدهس السيادة وتُختبَر كرامة العالم

ما جرى في فنزويلا صباح هذا اليوم لا يمكن التعامل معه كحادث سياسي عابر أو تطور أمني محدود، بل هو تعبير فجّ وصريح عن نهج أمريكي متجذّر يقوم على الغطرسة، وفرض الإرادة بالقوة، والتعامل مع سيادة الدول كأمر ثانوي يمكن تجاوزه متى تعارض مع المصالح الأمريكية. إن التدخل السافر داخل الأراضي الفنزويلية، وما رافقه من استهداف مباشر للقيادة السياسية، يشكّل سابقة خطيرة وانتهاكًا واضحًا لكل الأعراف الدولية ومواثيق القانون الدولي التي يُفترض أنها تنظّم العلاقات بين الدول وتمنع شريعة الغاب.
الولايات المتحدة، التي لا تتوقف عن تسويق نفسها كحامية للحرية والديمقراطية، تُثبت مرةً تلو الأخرى أن خطابها الأخلاقي ليس سوى غطاء سياسي يُستخدم انتقائيًا. فعندما تخدم القوانين الدولية مصالحها تُرفع إلى مرتبة المقدّس، وعندما تعيق هذه المصالح تُدهَس بلا تردّد. لا تفويض دوليًا، ولا احترامًا لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، ولا اكتراثًا بتداعيات هذا السلوك على الاستقرار الإقليمي أو السلم العالمي. ما حدث هو عدوان سياسي وأمني مكتمل الأركان، ورسالة فظة مفادها أن القوة وحدها هي الفيصل.
فنزويلا ليست الاستثناء، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من التدخلات الأمريكية التي عرفها العالم، وخصوصًا في أمريكا اللاتينية التي طالما اعتُبرت في العقل السياسي الأمريكي ساحة نفوذ مفتوحة. من الانقلابات المدعومة، إلى الحصار والعقوبات الخانقة، إلى خنق الاقتصادات وتشويه القيادات، تتغيّر الأدوات وتبقى الغاية واحدة: كسر القرار الوطني المستقل وإخضاع الدول التي ترفض السير في الركب الأمريكي. الجديد اليوم هو أن هذا التدخل بات أكثر وقاحة وعلنية، وكأن واشنطن لم تعد تشعر بحاجة حتى لتبرير أفعالها.
ولا يمكن فصل هذا السلوك عن المعيار الأوضح في سياسة العقاب الأمريكية: الموقف من فلسطين والقضية الفلسطينية. فالتجربة التاريخية والسياسية تثبت أن أي دولة ترفض الانخراط في مشاريع تصفية القضية الفلسطينية، أو تجرؤ على دعم حقوق الشعب الفلسطيني، أو تحاول الحفاظ على هامش من الاستقلال السياسي بعيدًا عن الإملاءات الأمريكية–الإسرائيلية، تُدرج فورًا في خانة الاستهداف. يبدأ العقاب بالضغط والابتزاز، ثم بالعقوبات والحصار، وقد ينتهي بمحاولات إسقاط أو تفكيك أو إنهاك طويل الأمد. فلسطين، في المنطق الأمريكي، ليست قضية عدالة وحق، بل اختبار ولاء، ومن يفشل فيه يدفع الثمن.
هذه الازدواجية الصارخة تفضح زيف الخطاب الأمريكي حول حقوق الإنسان والديمقراطية. فالدولة التي تدّعي الدفاع عن الشعوب لا تتردد في معاقبة شعوب بأكملها إذا اختارت مسارًا سياسيًا لا يرضيها، والدولة التي ترفع شعار القانون الدولي هي أول من ينتهكه عندما يتعارض مع حساباتها. ما يجري اليوم في فنزويلا يؤكد أن النظام الدولي القائم يتآكل، وأن ميزان العدالة بات مختلًا لمصلحة من يمتلك القوة، لا من يمتلك الحق.
إن الصمت الدولي على هذا السلوك لا يقل خطورة عن الفعل ذاته، لأنه يكرّس سابقة مفادها أن السيادة باتت مفهومًا هشًا، وأن الدول الصغيرة والمتوسطة يمكن أن تكون أهدافًا مفتوحة إذا ما تمسكت باستقلال قرارها أو رفضت الخضوع. الدفاع عن فنزويلا اليوم ليس دفاعًا عن حكومة أو نظام، بل دفاع عن مبدأ أساسي: حق الشعوب في تقرير مصيرها دون تهديد أو ابتزاز أو تدخل عسكري.
ما نشهده ليس مجرد غطرسة سياسية، بل مسار متكامل لإعادة تشكيل العالم وفق منطق القوة، حيث تُكافأ الدول المطيعة وتُعاقَب الدول الرافضة، وحيث تتحول القيم المعلنة إلى شعارات فارغة. وإذا كان العالم سيقبل اليوم بتجاوز صارخ كهذا، فإن الباب يُفتح على مصراعيه لفوضى دولية لا يستثنى منها أحد. فحين يُكسر مبدأ السيادة، لا تبقى دولة في مأمن، ولا يبقى للقانون الدولي سوى اسمه.



















