+
أأ
-

الصحفي عبدالله المجالي :- (حين تتحول الرخصة إلى فوضى: تعدد الفتاوى الدينية وضرورة توحيد المرجعية)

{title}
بلكي الإخباري

 

 

في كل شتاء لا يشتد المطر وحده بل تشتد معه حالةٌ من الاضطراب الديني الصامت.

سؤالٌ واحد بسيط في ظاهره عميق في اثرها 

هل يُجمع بين الصلوات بسبب الأحوال الجوية؟

المشكلة ليست في السؤال بل في الإجابات المتناقضة التي تُقدَّم للناس في المكان الواحد والزمان الواحد والمسجد الواحد وكأننا أمام أديان متعددة لا دين واحد.

دين واحد وفتاوى متضاربة

نحن أمة نؤمن بقرآنٍ واحد ونبيٍّ واحد وشريعةٍ واحدة لكن الواقع العملي يكشف شيئًا مختلفًا

فتوى تُجيز الجمع مطلقًا عند المطر

وأخرى تُحرّمه إلا في حالات نادرة

وثالثة تُقيّده بقيود لا يعرفها الناس

ورابعة تُطلقه بلا ضوابط واضحة.

كلها تُقال باسم الشرع وكلها تُبث على المنابر دون اعتبارٍ للأثر الاجتماعي والديني الذي يخلّفه هذا التناقض في وعي الناس.

الفقه اجتهاد لكن الواقع مسؤولية

صحيح أن الفقه الإسلامي قائم على الاجتهاد وأن اختلاف العلماء سنة ماضية لكن ما يُتغافل عنه كثيرًا أن الاجتهاد الفردي حين يُلقى على العامة دون إطار جامع يتحول من رحمة إلى إرباك.

العالم حين يفتي في كتاب أو مجلس علمي شيء وحين يُنزل فتواه على مجتمع كامل في ظرف واحد شيء آخر تمامًا.

الناس لا تُكلَّف بتمييز الراجح من المرجوح ولا بترجيح الأقوال ولا بفهم علل الخلاف.

الناس تبحث عن عبادة مستقرة لا متقلبة وعن دينٍ يُطمئن لا يُربك.

هل الذي لا يجمع أكثر دينًا؟

هنا تتسلل أخطر النتائج تحوّل الخلاف الفقهي إلى مقارنة أخلاقية.

من لم يجمع يُنظر إليه على أنه أشد التزامًا،

ومن جمع يُلمّح إليه بالتساهل وكأن التقوى صارت تُقاس بتشديدٍ أو تخفيف لا باتباع معتبرٍ للنص.

وهذا خلل خطير لأن الرخصة الشرعية ليست ضعفًا في الدين

كما أن العزيمة ليست دائمًا دليلاً على الفهم الأعمق.

في البيت الواحد عبادة ممزقة

الأغرب أن يصل التناقض إلى داخل البيت الواحد إخوة في المسكن نفسه بعضهم صلّى جمعًا وبعضهم لم يفعل للصلاة نفسها وفي التوقيت نفسه.

هذا المشهد لا يعكس سعة الشريعة بقدر ما يعكس غياب مرجعية واضحة.

فالاختلاف المقبول علميًا إذا تُرك بلا تنظيم يصبح انقسامًا عمليًا يُفقد العبادة هيبتها ووحدتها.

الإمام يُحترم ومكانته محفوظة ولا يجوز رفع الصوت في المسجد أو مجادلته علنًا لكن السؤال الجاد الذي يجب أن يُطرح هل من الحكمة أن يختلف إمام مسجدٍ عن مسجدٍ مجاور في المسألة نفسها في الحي نفسه وتحت الظروف الجوية نفسها؟

احترام الإمام لا يعني قبول التعدد غير المنضبط ولا يعني تحميل العامة تبعات اختلافات لم يختاروها.

الدعوة إلى توحيد المرجعية الدينية في البلد الواحد ليست إلغاءً للاجتهاد ولا قمعًا للعلماء بل تنظيمًا للاجتهاد حمايةً للدين والناس.

حين تصدر مرجعية رسمية معتبرة فتوى واضحة، مُعلَّلة، ومحددة الشروط، فإنها ترفع الحيرة عن الناس وتمنع التصنيف والتشكيك

تحفظ وحدة العبادة وتُبقي الخلاف في مكانه العلمي الصحيح

الخطر ليس في اختلاف العلماء

بل في ترك هذا الاختلاف بلا ضابط وبلا مرجعية وبلا وعي بالواقع.

الدين الذي جاء ليجمع الناس

لا يجوز أن يُمارس بطريقة تفرّقهم.

وإن لم نُدرك أن توحيد المرجعية في المسائل العامة ضرورة شرعية واجتماعية فسنظل كل شتاء  نختلف أكثر مما نصلّي.

الصحفي عبدالله المجالي