القس سامر عازر يكتب : السماء المفتوحة في عيد الغطاس للأدعية والصلوات

في نهر الأردن، في بيت عنيا شرقيّ النهر المقدّس، وعند لحظة اعتماد السيّد المسيح على يد يوحنا المعمدان، شهيد الكلمة والموقف، لم يكن الحدث مجرّد طقس رمزي أو مشهد تاريخي عابر، بل كان إعلانًا إلهيًا جامعًا، انفتحت فيه السماء على الأرض، والتقى الزمن بالأبدية، وتجلّى سرّ الثالوث القدوس أمام البشرية.
يصف لنا الكتاب المقدس تلك اللحظة الفاصلة قائلًا إن السماء قد انشقّت، وسُمع صوت الآب السماوي مؤبدا حقيقة الكلمة، بينما حلّ الروح القدس بهيئة حمامة. لم يكن هذا الانشقاق حدثًا عابرًا ينتهي بانتهاء المشهد، بل كان بداية عهد جديد، فيه أضحت السماء مفتوحة أمام الإنسان، لا بفعل استحقاق بشري، بل بنعمة إلهية فائضة.
في الغطاس، لم ينزل المسيح إلى مياه الأردن ليُقدَّس هو، بل ليُقدِّس المياه والإنسان معًا، وليعلن أن الطريق إلى الآب السماوي قد فُتح، وأن الحاجز الذي كان يفصل الأرض عن السماء قد أُزيل. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد السماء مغلقة، ولم يعد الله بعيدًا، بل صار قريبًا، سامعًا، حاضرًا، ومتفاعلًا مع صلوات أبنائه.
إنَّ السماء المفتوحة في عيد الظهور الإلهي ليست تعبيرًا ليتورجيًا فحسب، بل حقيقة إيمانية عميقة. فهي إعلان أنَّ علاقة الله بالإنسان قد دخلت مرحلة جديدة، عنوانها الثقة والرجاء. لم يعد الإنسان يرفع صلاته إلى سماء صامتة، بل إلى عرش نعمة مفتوح، حيث تُسمَع الأدعية وتُرفَع التضرعات ويُستجاب بحسب مشيئة الله الصالحة.
من هنا، يليق بنا، ولا سيّما في هذه الليلة المباركة وفي كل ليلة، أن نرفع صلواتنا بجرأة الأبناء، لا بخوف العبيد، وأن نقف أمام الله بقلوب منفتحة، عالمين أن السماء التي انشقّت عند الأردن لن تُغلق ثانية، لأنها ارتبطت بعهد نعمة ورحمة لا يزول. فالله الذي أعلن ذاته في ابنه، يدعونا أن نكلّمه، أن نسأله، وأن نقرع باب رحمته.
أليس هو القائل: «اسألوا تُعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يُفتح لكم»؟ وأليس الكتاب المقدس يعلّمنا أن «لتُعلَم طلباتكم لدى الله»؟ إن الصلاة، في ضوء عيد الظهور الإلهي/ الغطاس، ليست رجاءً غامضًا ولا صرخة في الفراغ، بل حوار حيّ مع إله يسمع ويستجيب، حتى وإن تأخرت الإجابة أو جاءت على غير ما نطلب.
في عيد الظهور الإلهي، نحن مدعوون إلى تجديد إيماننا بأن السماء مفتوحة، وأن الله حاضر، وأن صلواتنا ليست بلا جدوى. هو عيد يدعونا إلى أن نغتسل من خوفنا، وأن نغوص في عمق الثقة، وأن نرفع قلوبنا قبل أصواتنا، مرددين بثقة المؤمنين: استجب يا رب.
فالسماء التي انشقّت فوق الأردن، ما زالت مفتوحة لكل من يتّكل على الله ويتضرع إليه بقلب مؤمن.



















