+
أأ
-

وداد سليم اللصاصمة تكتب : الاسراء والمعراج الطريق إلى السماء..

{title}
بلكي الإخباري

 

لم تكن حادثة الإسراء والمعراج مجرد واقعةٍ خارقة في سيرة النبي محمد ﷺ، ولا معجزةً ارتبطت بزمانها ثم انقضت، بل كانت خطابًا إلهيًا بالغ العمق، يحمل في طياته معاني العقيدة والهوية والرسالة، ويؤسس لعلاقةٍ ثابتة بين الأمة والمسجد الأقصى المبارك. ففي تلك الليلة، اختصر الله الزمن، لكنه لم يختصر المعنى، فجعل العروج إلى السماء يمرّ من القدس، ليبقى هذا المكان حاضرًا في الضمير الإيماني إلى قيام الساعة.

انطلقت الرحلة من المسجد الحرام، مهد التوحيد الخالص، حيث صفاء العقيدة وبداية الرسالة، ثم انتقل النبي ﷺ إلى المسجد الأقصى، أرض البركة وملتقى الأنبياء، قبل أن يُفتح له باب المعراج إلى السماوات العلا. لم يكن هذا الانتقال مجرد حركة في المكان، بل بناءً عقديًا محكمًا يؤكد أن الإيمان لا يكتمل دون وعي بالجذور، وأن الارتقاء الروحي لا يتحقق إلا بالثبات على المقدّس، وأن السماء لا تُنال دون المرور بتاريخ الوحي وأرضه المباركة.

في رحاب المسجد الأقصى، اجتمع الأنبياء جميعًا خلف النبي محمد ﷺ، فصلّى بهم إمامًا، في مشهدٍ تختصر فيه القرون وتتوحّد فيه الرسالات، ليُعلن أن الإسلام امتدادٌ لما سبقه وخاتمةٌ جامعة لمسيرة الوحي، وأن القدس ليست ملكًا لزمنٍ بعينه، بل أمانة ربانية شاهدة على وحدة الرسالة عبر التاريخ. هناك، لم يكن الأقصى محطةً عابرة، بل رمزًا جامعًا للنبوات، ومركزًا روحيًا يؤكد أن هذا المكان جزء أصيل من العقيدة لا يقبل الإقصاء أو التهميش.

ثم كان المعراج، حيث ارتقى النبي ﷺ إلى السماوات العلا، في لحظةٍ تجاوزت قوانين المكان والزمان، لكنها لم تتجاوز المعنى. ففي ذلك العلوّ فُرضت الصلاة، العبادة التي لم تُفرض على الأرض، بل في السماء، لتكون صلةً يومية بين العبد وربه، ومعراجًا دائمًا للروح. وجاء فرض الصلاة بعد المرور بالأقصى ليحمل دلالةً عميقة، مفادها أن من أراد العروج بروحه، فعليه ألا يقطع صلته بالمقدّس، وأن الطريق إلى السماء يبدأ من أرضٍ باركها الله وربطها بالوحي.

ولأن هذه الليلة أعظم من أن تُحفظ في الذاكرة وحدها، خلّدها الله في القرآن الكريم بآيةٍ تتلى إلى قيام الساعة، ليبقى المسجد الأقصى حاضرًا في النصّ المقدّس كما هو حاضر في التاريخ والعقيدة: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾. آيةٌ واحدة، لكنها كافية لتؤكد أن الأقصى ليس ذكرى تاريخية، بل حقيقة إيمانية ثابتة لا تزول بتغيّر الأزمنة.

اختيار المسجد الأقصى لم يكن اختيار مكانٍ فحسب، بل اختيار قضية ورسالة. فهو أرض البركة، ومقياس صدق الانتماء الإيماني. جعله الله نقطة التقاء الأرض بالسماء، ليكون قضية عقيدة قبل أن يكون قضية سياسة، ومسؤولية إيمان قبل أن يكون شأنًا جغرافيًا.

الإسراء والمعراج رسالةٌ باقية، تهمس في وجدان الأمة عبر القرون، أن العروج لا يكون قفزًا فوق الأرض، بل فهمًا لمعناها، وأن معارج الروح لا تكتمل إلا بالوعي بالمقدّس وتبدأ من حيث بارك الله، وأن الطريق إلى الله… مرّ، وسيبقى يمرّ، من المسجد الأقصى المبارك.