+
أأ
-

د. محمد العزة يكتب : الملك الأكثر واقعية

{title}
بلكي الإخباري

 

 

تأتي افتتاحية هذه المقالة في سياق قراءة نقدية تفكيكية لما ورد في كتاب الصحفي والباحث الأمريكي آرون ديفيد ميلر بعنوان The Most American King («الملك الأكثر أمريكية»)، وهو كاتب سبق له العمل في عمّان، وكتب مطولًا في الشأن الأردني، وأسهم في منصات فكرية وإعلامية غربية مثل Foreign Affairs وForeign Policy، وكان مضيفًا لبرنامج On Jordan.

وليست هذه المرة الأولى التي يتناول فيها كتاب سيرة ملوك الأردن؛ فقد سبق للكاتب البريطاني ايفي شلايم أن ناقش سيرة الملك الراحل الحسين بن طلال في كتابه Lion of Jordan: The Life of King Hussein in War and Peace.

وخلاصة ذلك الكتاب أن الحسين لم يكن «ملك سلام» فقط، بل ملك منع الانهيار.

ملكًا أدرك أن الدولة إما أن تكون أو لا تكون.

رفض التبعية، وأدار علاقة تقوم على احترام السيادة والشراكة الإيجابية.

لم ينجُ الأردن لأن الظروف كانت رحيمة، بل لأن القيادة كانت واعية بحدود القوة وحدود الخسارة.

قدّم الكاتب فهمًا عميقًا للعلاقة الأردنية–الأمريكية، مقرًّا بأن الملك حسين لم يكن تابعًا، بل مدير علاقة ذكي مع القوة الأعظم؛ فالأردن لم يُستخدم، بل استخدم موقعه بمهارة.

لماذا الآن؟ سؤال التوقيت والدلالة

كتاب The Most American King يستحق أن يُقرأ، لا للتسليم به، بل للسؤال عنه:

لماذا الآن؟

ولمن كُتب؟

وما علاقته بسياق سياسي إقليمي ضاغط؟

لا يمكن عزل صدوره عن:

حديثٍ رسمي أردني عن نشاط خارجي مشبوه يستهدف الدولة.

محاولات داخلية لعرقلة مسار التحديث السياسي.

مقايضات غير معلنة: إبطاء الاقتصاد مقابل التنازل عن ثوابت سياسية.

قلة من يتصدّى اليوم لهذه الأسئلة، مع إدراك أن كلفة المواجهة قد تكون عالية، لكنها كلفة تستحق الدفع حين تكون القضية وطنًا.

من يكتب؟ ولمن؟

آرون ميلر لا يكتب للأردنيين، بل يكتب عن الأردن للغرب، وتحديدًا للنخب السياسية والأكاديمية الأمريكية.

سؤاله المركزي هو:

لماذا نجح الأردن في البقاء، بينما انهارت أنظمة أخرى؟

ومن هنا، يصبح الملك عبد الله الثاني بن الحسين في الكتاب موضوع تفسير لا غاية تحليل، ويُختزل الحكم في بعده الخارجي:

التحالف، التنسيق، والتفاهم مع واشنطن.

العودة إلى الجذور: مدرسة الحسين

للإجابة عن هذا البعد الخارجي، لا بد من التذكير بمحطة مفصلية في تسعينيات القرن الماضي، حين زار الرئيس الأمريكي بيل كلينتون مجلس النواب الأردني بعد توقيع معاهدة وادي عربة.

سُئل كلينتون يومها عن خصوصية التحضيرات الاستثنائية لزيارات الملك حسين إلى واشنطن، مقارنة بغيره من زعماء المنطقة.

وكان الجواب واضحًا:

الحسين امتلك كاريزما سياسية وعقلًا استراتيجيًا عالي المستوى؛ لا يقبل الحلول الجاهزة، ولا المسلّمات المفروضة، بل يخضع كل مقترح للنقاش والتقييم وفق مصلحة الأردن والمنطقة.

كانت تلك الزيارات تسبقها جولات مكوكية من الاجتماعات تمتد أيامًا، تنتهي غالبًا بتثبيت صواب الموقف الأردني ودقّة حساباته.

الملك عبد الله الثاني ورث مدرسة الحسين السياسية، لكنه لم يكتفِ بها؛ بل طوّرها.

انتقل من إدارة التوازنات إلى فلسفة الاستعداد المسبق (De Facto Preparedness)، واتخاذ قرارات براغماتية واقعية:

تحافظ على الثوابت.

وتتيح مرونة تكتيكية.

وتجنّب الأردن تداعيات إقليمية خطِرة.

العنوان: حمولة سياسية زائدة

منذ صدور الكتاب في حزيران 2025، أُثير جدل واسع حول العنوان قبل المضمون.

وصف الملك بـ«الأكثر أمريكية» ليس توصيفًا شخصيًا، بل وظيفيًّا في عقل الكاتب:

الأكثر قدرة على فهم واشنطن

الأكثر تواصلًا مع مؤسساتها

الأكثر استخدامًا للتحالف الدولي كشبكة أمان

لكن هذا العنوان، عند نقله إلى السياق الأردني، يفقد معناه التحليلي ويكتسب دلالة إشكالية؛ لأنه يتجاهل أن:

الأردن دولة مؤسسات وهوية وطنية.

ليس نظامًا معزولًا عن مجتمعه.

ولا ساحة فارغة لإدارة توازنات دولية فقط.

ما يغفله الكتاب

يرى الكاتب الدولة الأردنية كنظام ناجح لإدارة الأزمات، لكنه يغفل أنها أيضًا:

دولة هوية سياسية.

دولة رواية وطنية.

دولة عقد اجتماعي.

فالجيش، والعشائر، والمؤسسات ليست تفاصيل، بل أعمدة الدولة.

والاستقرار وحده لا يصنع شرعية طويلة الأمد، كما أن التحالفات الخارجية – مهما بلغت قوتها – لا تعوّض فجوات الداخل إذا اتسعت.

الخلاصة

كتاب The Most American King ليس معاديًا للأردن، لكنه ليس مرآة للوعي الأردني.

إنه يشرح كيف ترى واشنطن الملك، لا كيف يرى الأردنيون الولايات المتحدة.

والسؤال الحقيقي ليس:

هل الملك أمريكي أكثر من غيره؟

بل:

هل نجحت الإدارات الأمريكية في تحويل التحالف مع الأردن إلى مشروع وطني داخلي متماسك؟

وهنا فقط يبدأ النقاش الجدي…

وهنا فقط تُقرأ الكتب قراءة مفيدة، لا انفعالية.