+
أأ
-

لما جمال العبسة : عام على الرسوم الأميركية.. العالم يعيد صياغة ثقته بعيداً عن واشنطن

{title}
بلكي الإخباري

 

حين أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض أعلى رسوم جمركية منذ قرن، بدا وكأن الاقتصاد العالمي يتجه نحو مواجهة مفتوحة لا يمكن التنبؤ بنتائجها، غير أن ما حدث خلال 2025 كشف عن قدرة الأطراف الدولية على التكيف، بل وإعادة رسم خريطة التحالفات الاقتصادية بعيداً عن مركزية واشنطن.

على سبيل المثال، أوروبا التي وُصفت طويلاً بأنها منقسمة وبطيئة في التفكير الإستراتيجي، اختارت الحنكة والهدوء، فامتصت الضغط وتجنبت التصعيد، وفتحت أبواباً جديدة نحو أميركا اللاتينية وجنوب شرق آسيا، وأبرمت اتفاقيات تجارية تاريخية مع الكتلة الاقتصادية الإقليمية في أميركا الجنوبية والمعروفة بدول ميركوسور « Mercosur» بعد ربع قرن من التعثر، هذا النهج البراغماتي لم يكن مجرد رد فعل، بل خطوة إستراتيجية منعت انزلاق الاقتصاد العالمي إلى حافة التدهور.

اما الصين، التي استهدفتها الرسوم بشكل مباشر، لم تُعزل كما أراد صانع القرار الأميركي، بل وسّعت شبكاتها التجارية مع أميركا اللاتينية وأفريقيا وأوروبا ومعظم آسيا، وارتفع فائضها التجاري إلى مستويات قياسية قاربت 1.2 تريليون دولار العام 2025، لنرى ان التعريفات الجمركية الأميركية لم تُضعف بكين، بل دفعت دولاً عديدة إلى تعزيز علاقاتها معها، في مشهد يعكس تحوّلاً جيوسياسياً بطيئاً لكنه عميق.

وكندا التي نالها ما نالها من الغضب الترمبي، فقد أعلنت بوضوح نيتها تنويع شركائها التجاريين وزيادة حجم تجارتها مع العالم بنسبة 50% خلال عقد، في خطوة وُصفت بأنها تحول إستراتيجي جذري يهدف إلى تقليل الاعتماد على شريك لم يعد موثوقاً، وكان اخرها اتفاقياتها مع الصين قبل ايام معدودة.

هذا التبدل لم يقتصر على السياسات، بل انعكس أيضًا على الرأي العام، استطلاعات الرأي في دول مثل الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا أظهرت تراجعاً ملحوظاً في تفضيل الانضمام إلى كتلة بقيادة أميركية، مقابل انفتاح أكبر على بدائل تقودها الصين أو تحالفات متعددة الأطراف، إذن التعريفات الجمركية الأميركية لم تكن مجرد أداةاقتصادية، بل تحولت إلى نقطة انعطاف في إدراك العالم لموثوقية واشنطن ودورها القيادي.

إن العام 2025 الذي شهد فرض الرسوم الجمركية لم يشهد انهياراً اقتصادياً عالمياً، لكنه كشف عن مسار جديد: عالم أكثر حذراً، وأكثر تنوعاً في تحالفاته، وأقل اعتماداً على الولايات المتحدة، لقد ربحت أوروبا الوقت، ووسّعت الصين نفوذها، وبدأت كندا رحلة فك الارتباط التدريجي، أما واشنطن، فقد استخدمت الرسوم كسلاح قصير الأجل، لكنها أهدرت جزءاً كبيراً من ثقة حلفائها، فالمستقبل الاقتصادي العالمي بات على المحك، والدرس الأوضح هو أن القوة لا تُبنى بالرسوم، بل بالثقة والالتزامات طويلة الأمد