د. محمد العزة يكتب : سلامٌ عليكِ أيتها الكرك …

قرأت بالأمس مقالة للكاتب الصحفي أحمد سلامة بعنوان «الكرك.. تلزمنا الكتابة»، و ما ادراك من أحمد سلامة ، مقالة أيقظت فينا الضمير الوطني من صمته ، بأن قوموا و توضوا وصلوا في محراب الكرك ، محراب الوطن الاردني و الأمة ، محراب معقل الوعي السياسي. تحضنا بأن تنبهوا لمن يتربص بكم و بوطننكم ، محاولا تسلق سوره العالي ، او محاولا التسلل داخله لاحداث خرقا يزعزع ساحته و استقراره .
مقالة تخبرنا كلما فترت هممنا لنترك ساحة المعترك السياسي ، تأتي الكرك لتشحذها ، كما فعلت عالية الضمور عندما افتدت دخيلهم قاسم الاحمد ، بفلذات اكبادها ، و حثت زوجها ابراهيم الضمور و رفيقه اسماعيل المجالي على عدم السماح بتسليمه وهو في حماهم .
المقدمة وحدها كانت كافية لتذكيري بكلمات اغنية تراثية ، هي تعويذة الشجاعة نعلقها قلادة حول أعناقنا تقول :
ريت المنايا اللي تجي يا سلامه تحوم ع الأنذال دار بدار
ويطول عمرك يا حفيظ السلامة وتدوم يا عز الأهل والجار
يا أبو الفضايل ما عليك الملامة اللوم يغشى الخاين الغدار
خلي العدا بحسراتها والندامة و قلوبها توقد عليها نار
ربع المذلة ما تريد الكرامة. ع وجوهها وصم الخزي والعار
مقالة تذكرنا أن للكرك و الاردن رجال لهم ادوار تعرفه و تحفظه ذاكرة سجلات التاريخ الوطني الاردني و العروبي التاريخي العريق في التضحية و الوفاء .
ما أشار إليه سلامة يلتقي مع ما سبق أن نبهت له في مقالي «سفير المسافة صفر»؛ فثمة خيط واضح بين سلوكيات السفير الأمريكي، وبين محاولات اختبار المزاج السياسي والاجتماعي الأردني، وقياس مستوى الوعي والرفض الشعبي.
ما قام به أبناء الضمور تجاه نية السفير زيارة بيت عزاء المرحوم د. عبدالله الضمور لم يكن إساءة، بل رسالة سيادية واعية، أكدت أن الأردن دولة ذات سيادة، وأن السفير ليس ضيفا ، بل ممثل لإدارة سياسية أمريكية تتبنى سياسات متطرفة، مزدوجة المعايير ، منحازة بالكامل لمشروع صهيوني توسعي يهدد أمن الاردن و المنطقة واستقرارها.
اتفاقية فيينا لا تمنح أي سفير حق تجاوز القنوات الرسمية، ولا تبرر انخراطه في أنشطة اجتماعية ذات طابع حساس، خصوصًا في ظل خلفية استخباراتية تثير أسئلة مشروعة حول الأهداف والدوافع.
الأَولى بالسفير أن ينقل لإدارته حجم الغضب الشعبي الأردني من السياسات الأمريكية، ودعمها للتهجير وتفكيك الدول وتصفية القضية الفلسطينية، لا أن يتحرك في فضاءات قد تمس النسيج المجتمعي و وحدة الجبهة الداخلية.
الكرك، كعادتها، أعادت التذكير بالهوية الأردنية ، وحذرت من تيار نيوليبرالي ديجتالي يسعى لربط استقرار الأردن بالقرار الأمريكي، وتصويره دولة تابعة تعيش على المساعدات، متناسيا أن هذه “المساعدات” هي جزء من مصالح متبادلة لا تمس السيادة.
المرحلة خطرة، وما يرصد في الفضاء الرقمي يكشف محاولات ممنهجة لاستهداف العشائر، والعزف على الهويات الفرعية، وضرب العقد الاجتماعي الأردني و المساس بمؤسسة العرش، تمهيدا للمساس بالجغرافيا قبل الديمغرافيا .
المندوب السامي البريطاني قبل 48 كان يعمل جولات و معاه ابو حنيك هل منعوا النكبة أو النكسة ، و عندما دعموا الاردن هل كان ذلك بدافع المحبة أم مصلحة .
اليوم من يدير السياسة هي لغة المصالح .
من يرى أن المصلحة الأمريكية مقدمة ، تطغى لأنها الداعم الأول هذا رأيه ، ولكن من يرى أن المصلحة الأردنية مقدمة اولا ، وجب أن تصل الرسالة للإدارة الأمريكية الحالية ماذا ستقدم للاردن ، مزيد من حظر الاستثمارات أم مزيد من تدفق المشاريع الأمريكية و تشجيعها ، تعطيل الاستثمارات و المشاريع غير الأمريكية ام تحفيزها و استقطابها ، دفع الاوضاع الاقتصادية إلى الاسوء ام الاحسن .
الشارع تساوره الشكوك أن هناك تيار من المسؤولين المقربين للسفارة هم داخل إدارة الحكومات ، أسهمت قراراتهم في ايصالنا إلى مانحن عليه اليوم ليرهنوا قرارنا الوطني.
نحتاج إلى الواقعية و الادوات الديبلوماسية و لغتها العقلانية لكن احيانا تحتاج إلى بعض الخشونة في خطابك السياسي ، للدفاع عن مصالحك.
من يختزل كرامة الوطن بتأشيرة أو هجرة، أو منحة ، ويدافع عن سياسات سفير على حساب وحدة الأردن، لا يمثل وعيا وطنيا ولا انتماء حقيقيا ، هنا نستذكر معا التجربة الأمريكية الفاشلة ضد كوبا سنة 1980 وفتح باب الهجرة لها ، تفاجأت بحشود آلاف الكوبيين التي جهز لها فيديل كاسترو 600 قارب وقال مقولته الشهيرة : " هؤلاء كانوا أمريكيين لكن بيننا" ، لينتعش الاقتصاد الكوبي ، و يحقق فائضا ويتطور نظامي التعليم و الصحة بشكل أفضل.
اختتم بقول غسان كنفاني :
يسرقون رغيفك
ثم يعطونك منه كِسرة
ثم يأمرونك أن تشكرهم على كرمهم
يالوقاحتهم ..
الكرك اليوم قالت كلمتها…
و أيقظتنا من غفوة جديدة.



















