عمر شاهين يكتب :- ماذا لو حُلّ حزب جبهة العمل الإسلامي؟

لعلّ هذا السؤال بات الأكثر تداولاً في الشارع السياسي الأردني، سواء بين المنتظمين في العمل الحزبي أو المتابعين للشأن العام.
ولا خلاف على أن حلّ الحزب يظلّ احتمالاً قائماً، قد يُطرح أحياناً بوصفه خياراً اضطرارياً، بذريعة حماية الحزب نفسه أولاً، وإبعاد الأردن عن خطوط المواجهة العربية–الأمريكية المتصاعدة في المرحلة الأخيرة.
ورغم ذلك، أكدت الدولة الأردنية، عبر ناطقها الرسمي، أن ملف جماعة الإخوان المسلمين كتنظيم قد أُغلق منذ سنوات بقرار حلّ الجماعة، وما تبع ذلك من إغلاق جميع المؤسسات المرتبطة بها، دون أي عقوبات بأثر رجعي. وقد أُعطيت فرصة واضحة بعدم الترويج أو التنظيم خارج إطار القانون، وهو ما أكده أيضاً وزير الداخلية في أكثر من مناسبة.بماىسمى بالعرف الاردني التوبة.السياسية وقد استخدمته الاردن سابقا مع أعضاء الحزب الشيوعي بحيث قدم اعتزالك لهم وعد. لبيتك. بينما في باقي الدول العربية كانت التوبة تعني وجودك في السجن لثلاثين عاما..لذلك ممكن تطبيق تلك الوصفة.حاليا بان يبق الحزب الذي نعترف وجه حزبي لكثير من اعضاء الجماعة مع الانفكاك الكامل عن الماضي والأنصهار بالجسم المسموح.
أما حزب جبهة العمل الإسلامي، فهو كيان حزبي شرعي يعمل ضمن قانون الأحزاب الأردني، وجميع أعضائه حاصلون على شهادات عدم محكومية مكّنتهم من الانتساب للحزب بصورة قانونية. وبما أن الدولة لم تُحاسب الجماعة بأثر رجعي، باستثناء ما يتعلق ببعض الملفات المالية والإدارية، فإن أي إجراءات أمنية أو اعتقالات جرت كانت مرتبطة حصراً بأحداث حرب غزة، وفي نطاق محدود، حين رأت الأجهزة الأمنية أن بعض الأفراد تصرفوا خارج القانون.
ومع ذلك، لا يمكن استبعاد احتمال حل الحزب أو حتى تغيير اسمه في أي وقت، فذلك يظلّ قراراً سيادياً بيد الدولة، تحكمه أيضاً اعتبارات خارجية، على رأسها البعد الأمريكي. ولا يخفى أن ملف وجود الجماعة تاريخياً تسبب بفتور أو توتر في علاقات الأردن مع دول حليفة، مثل مصر والإمارات والسعودية.
لكن السؤال الأهم: ماذا بعد الحل؟
حل حزب جبهة العمل الإسلامي سيترك فراغاً كبيراً، ليس في الساحة السياسية بقدر ما هو في الساحة الانتخابية. فالحقيقة التي لا يمكن تجاوزها هي أن معظم الأحزاب الأردنية تفتقر إلى حضور شعبي حقيقي، سواء في الشارع أو في المشهد السياسي العام.
وقد أثبتت الانتخابات الأخيرة، على مستوى القوائم الحزبية والمحلية، أن الحزب يمتلك القاعدة الجماهيرية الأوسع،ودون مقارنة رغم تحصّن النخب السياسية والمالية داخل أحزاب مقابلة، ورغم وجود أكثر من ثلاثين حزباً في مواجهته. وكانت الانتخابات الاخيرة. بمثابة الميزان الفعلي لقياس الحجم الحقيقي للحضور الشعبي.
كما لا يمكن إنكار أن الحركة الإسلامية كانت المحرّك الأبرز للشارع في محطات مفصلية، من الربيع العربي إلى حرب غزة، دون أن تنزلق إلى صدام مباشر مع الدولة. وهي كذلك المنافس الأقوى في انتخابات النقابات المهنية واتحادات الطلبة.بينما اهم ٦ احزاب عجزت عن انجاح وقفة في حرب غزة لم يتحاوز الحضور بها ٥٠٠ سخص..
ومن غير المرجح أن تنجح القوى السياسية المقابلة في ملء هذا الفراغ إن حصل، بل على العكس، قد يصيبها نوع من الكسل السياسي والانتخابي، طالما أن “الحصص” باتت مضمونة في غياب منافس بحجم الجبهة.
وفي ظل حكومة إسرائيلية ذات خطاب متطرف، وقيادة احتلال تشحن الأجواء الإقليمية بخطاب عدائي حتى على مستوى كبار مسؤوليها، تبدو الحاجة – من منظور شعبي – إلى خطاب إسلامي سياسي متشدد في مواجهة هذا العدو أمراً مفهوماً، وإن كان مثيراً للجدل.
واقعياً، ما بعد حرب غزة ليس كما قبلها. المشهد تغيّر عربياً من باكستان إلى المغرب، وانعكس ذلك بوضوح على لبنان وسوريا والكويت وغيرها من الدول التي شهدت حضوراً للحركات الإسلامية. ثمة توجّه إقليمي ودولي متصاعد لرفض الخطاب الإسلامي السياسي، سنياً كان أم شيعياً، خاصة بعد أن ربط كثيرون نتائج هذا الخطاب بما آل إليه المشهد من دمار في غزة ولبنان جراء المواجهات مع الاحتلال.
ومع ذلك، فإن الادعاء بأن مشروع الحركة الإسلامية هو “طريق لإيران” يظل تبسيطاً مخلاً. فالخلاف السني–الشيعي عميق، ولم يكن يوماً محل إنكار. كما أن موقف الحركة الإسلامية من الحرب في سوريا كان واضحاً، وقد تناولتهُ سابقاً بالتفصيل.وفغت به الحركة الاسلامية ضد المشروع الايراني في العراق وسوريل تحديدا ولم تسمح لتسرب أدبيات المذهب الشيعي لخطاب اعضاءها كالامامة والخلافة.
في الخلاصة، وإذا ما سألنا عن الانعكاسات السياسية أو الشعبية المحتملة:
فإن حل حزب جبهة العمل الإسلامي، رغم حصوله على ما يقارب 400 ألف صوت، ومعه لو حل بقية الأحزاب ومجلس النواب، لن يُحدث بالضرورة هزّة في الشارع الأردني. فالشارع اليوم منشغل أولاً وأخيراً بمطالبه الاقتصادية وتحسين ظروفه المعيشية الصعبة، أكثر من انشغاله بالمعادلات الحزبية.فلن يترك براي الأثر المتوقع وسيمر بشكل عادي جدا .
ويدرك الأردنيون، في غالبيتهم، أن مثل هذه القرارات تُتخذ ضمن محاولات النجاة من “الإعصار الأمريكي” الذي بات يتحرك منفرداً في العالم، لا في الشرق الأوسط فحسب، ولم يواجهه فعلياً سوى الروس في أوكرانيا.
كاتب ومدوّن أردني



















