م. معاذ المبيضين :- التقاعد المبكر، ومأسسة الجمود

في بيئة الإدارة العامة، غالباً ما تُقرأ القرارات المتعلقة بالتقاعد والإحالات من منظور مالي ضيق أو اجتماعي عاطفي، لكن القراءة العميقة تقتضي فحص أثر هذه القرارات على حركية المؤسسة وقدرتها على التجدد. فالتراجع عن إلزامية إحالة من أمضى ثلاثين عاماً في الخدمة العامة إلى التقاعد ليس مجرد إجراء إداري، بل هو قرار يمس في جوهره بنية التراكم المعرفي، وتدفق القيادات، وقدرة الدولة على مواكبة التحولات المتسارعة في نماذج العمل الحديثة.
تمتاز المؤسسات العامة بطبيعة محافظة، وتميل إلى الاستقرار على حساب التغيير. وعندما تُسد قنوات الخروج الطبيعية للخبرات التي استنفدت دورتها الإنتاجية، فإننا عملياً نصنع حالة من "الاحتقان الوظيفي". فالثلاثين عاماً في الخدمة العامة ليست مجرد رقم، بل هي دورة زمنية كاملة تشكلت خلالها قناعات، وأنماط عمل، وثقافة تنظيمية تنتمي لحقبة معينة، واستمرار هذه الأنماط في مواقع القرار أو التأثير يحد بروز أنماط تفكير جديدة تتناسب مع متطلبات الحوكمة الرقمية والمرونة المؤسسية.
إن الإشكالية هنا ليست في العمر كمعطى بيولوجي، بل في النمط كمعطى إداري؛ فالبقاء الطويل في الخدمة دون مسارات تجديد يخلق طبقة من الحرس القديم الذي يرى في التغيير تهديداً لاستقراره الإجرائي، مما يحول المؤسسة إلى هيكل يدافع عن بقائه بدلاً من الدفاع عن أهدافه الاستراتيجية.
إدارياً؛ تعتمد حيوية أي نظام إداري على وضوح مسارات الإحلال والتعاقب، وهنا تكمن إشكالية التراجع عن إلزامية إحالة من أكمل الثلاثين عاماً للتقاعد، كخيار أخلاقي يضمن عدم انقطاع مصدر دخلهم، وهنا تبرز أهمية ترك الخيار لهم، إما بالانتقال للعمل لموقع آخر او القبول بخيار الإحالة على التقاعد مع إمكانية إيقاف التقاعد والعودة للعمل حال توفر فرصة أخرى، وبذلك تتحقق مصلحة عدم استنزاف مصادر الضمان الاجتماعي، وعدم تعطيل "المصعد الإداري"، حيث تظل المواقع القيادية والإشرافية مشغولة لفترات تتجاوز العمر الافتراضي للعطاء المؤسسي. فهكذا انسداد لا يحرم الكفاءات الشابة والمتوسطة من فرصة القيادة فحسب، بل يؤدي إلى حالة من "الاغتراب الوظيفي" لدى الأجيال الجديدة التي ترى أن سقف طموحها محكوم بجمود الهياكل لا بكفاءة الأداء.
علاوة على ذلك، فإن الفجوة بين أدوات العمل الحديثة (القائمة على البيانات، والذكاء الاصطناعي، والرشاقة) وبين العقلية التي تشكلت في بيئة بيروقراطية تقليدية قبل ثلاثة عقود، تخلق حالة من عدم الاتساق في الأداء العام. والمؤسسة التي لا تتجدد دماء قياداتها تفقد تدريجياً قدرتها على فهم لغة العصر، وتتحول إلى جزر معزولة من البيروقراطية الصلبة.
في فلسفة الإدارة العامة التي ننشدها، يجب أن يكون البقاء في الموقع مرتبطاً بالقدرة على تقديم "قيمة عامة" مضافة، وليس بمجرد الاستمرار في الوظيفة. فمنح خيار الاستمرار لمن أمضى ثلاثين عاماً دون معايير صارمة للأداء يحول الوظيفة العامة من تكليف بمهام محددة إلى حق مكتسب، وهو ما يضعف جوهر المساءلة. وغالباً؛ عندما يغيب المعيار الزمني الواضح للإحالة، تتدخل العوامل الشخصية والتقديرية في قرار البقاء أو الرحيل، مما يفتح الباب أمام سياسات الاسترضاء والمحسوبية الإدارية.
فقهياَ، تكمن قوة التشريع في تجريده، وبالحفاظ على إلزامية الإحالة على التقاعد تمثل أداة تحديث ذاتي للمؤسسة، تضمن خروجاً كريماً للخبرات ودخولاً سلساً للدماء الجديدة ضمن إطار قانوني واضح لا يخضع للأهواء.
ختاماً، إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس عن حقوق الموظف الفردية فحسب، بل عن حق الدولة في امتلاك جهاز إداري مرن وقادر على المنافسة. فهل نملك ترف التضحية بتنافسية مؤسساتنا مقابل الحفاظ على استقرار إداري هش؟ وعلينا أن ندرك بأن الجمود المؤسسي هو الثمن الخفي الذي تدفعه الدول عندما تفضل الحلول الآنية على حساب الرؤية الاستراتيجية لتطوير القطاع العام. ويبقى الرهان دائماً على قدرتنا على تصميم تشريعات توازن بين تقدير الخبرة وبين حتمية التغيير، مع الإدراك بأن المؤسسة التي لا تتنفس عبر تبادل الأجيال، محكوم عليها بالترهل والاختناق البيروقراطي.



















