+
أأ
-

د. عمّار محمد الرجوب يكتب : "بيان الإنسان الأخير ... حين يصبح الصمت شكلًا متقنًا من أشكال التواطؤ"

{title}
بلكي الإخباري

 

لم يسقط العالم لأن قوةً هاجمته، بل لأنه تعلّم كيف يبرّر ضعفه. الانهيار لم يكن لحظةً درامية، بل عادةً يومية، تكرّرت حتى فقدت قدرتها على الصدمة. لقد حدث كل شيء بهدوءٍ مخيف: القسوة أصبحت منطقًا، والظلم سياسة، وفقدان المعنى ثمنًا مقبولًا للتقدّم. لم نصرخ لأننا أقنعنا أنفسنا أن الصراخ غير عملي، ولم نغضب لأن الغضب لا يُدرَج في التقارير.

نحن شهود عصرٍ لا يعاني من نقص المعرفة، بل من غياب الشجاعة الأخلاقية. عصرٍ يتقن تفسير الكوارث، لكنه يتهرّب من مسؤوليتها. الخطر الحقيقي لم يكن في الحروب ولا في الأزمات، بل في تلك اللحظة التي توقفنا فيها عن الدهشة، وتعلّمنا كيف نتعايش مع ما كان يجب أن يُرفَض. هنا، تحديدًا، يبدأ هذا البيان… لا بوصفه صرخة، بل كمحاولة أخيرة لاستعادة المعنى قبل أن يصبح الصمت لغة العالم الرسمية.

لم ينهَر العالم فجأة، بل تآكل كما تتآكل الأشياء التي اعتادت البقاء. لم نسمع صوت السقوط، لأن الانهيار جاء بلغة هادئة، عقلانية، مقنعة، تُبرّر كل شيء حتى فقدان المعنى. اعتدنا أن نشرح الخراب بدل أن نواجهه، وأن نصف المأساة بدقة، ثم نغلق التقرير ونكمل يومنا. هكذا يُهزم الإنسان: لا حين يُقهَر، بل حين يُقنِع نفسه أن ما يحدث طبيعي.

نعيش في عصرٍ متقدّم تقنيًا، متراجع إنسانيًا. عصرٍ يستطيع الوصول إلى الفضاء، لكنه يتعثّر أمام كرامة إنسان. المعرفة متوفّرة، لكن الفهم نادر، لأن الفهم يتطلّب شجاعة أخلاقية، لا سرعة معالجة. هذا زمن الذكاء العالي والضمير المنخفض؛ زمنٍ يعرف كيف يحسب النتائج، لكنه يتجنّب السؤال الأهم: هل ينبغي أن نفعل ذلك أصلًا؟

السياسة، التي وُجدت لتنظيم العيش المشترك، تحوّلت في كثير من بقاع العالم إلى هندسة دقيقة للخوف. لم تعد تسأل: كيف نُحسّن حياة الناس؟ بل: كيف نُبقيهم منشغلين، منقسمين، قلقين بما يكفي كي لا يسألوا؟ هكذا يُدار الاستقرار كحالة مؤقتة، وتُدار الأزمات كاستثمار طويل الأمد، ويُعاد تعريف المواطن من إنسانٍ كامل إلى رقمٍ قابل للاستبدال في معادلة السلطة.

أما الاقتصاد، ذلك الذي قُدِّم لنا بوصفه علمًا محايدًا، فقد كشف عن وجهه الأكثر قسوة. لم يعد يسأل عن العدالة، بل عن الجدوى، ولم يعد يرى الإنسان إلا حين يتحوّل إلى عبء. تُقاس الدول بما تنتجه، لا بما تحميه، وتُقاس المجتمعات بسرعة نموّها، لا بعمق تماسكها. وهكذا يُعاد تعريف الفقر كفشلٍ فردي، لا كنتيجة نظام صُمّم ليقصي قبل أن يُنصف.

في هذا المشهد، لا تعود الثقافة ترفًا نخبويًا، بل فعل مقاومة. هي الذاكرة التي ترفض أن يُعاد كتابة التاريخ وفق مصالح الأقوى، وهي اللغة التي تفضح العنف حين يرتدي قناع العقلانية. حين تُهمَّش الثقافة، لا يموت الإبداع وحده، بل تفقد المجتمعات قدرتها على التمييز بين الحقيقة والخطاب، بين المعنى والضجيج، وتفقد معها بوصلتها الأخلاقية.

اجتماعيًا، لا تنهار الأمم حين تختلف، بل حين تفقد أخلاقيات الاختلاف. حين يصبح الرأي خيانة، والسؤال تهديدًا، والحياد جريمة. عندها، ينكفئ الإنسان إلى هوياتٍ ضيقة تمنحه شعورًا زائفًا بالأمان، لكنها تسجنه من الداخل، ويغدو العنف احتمالًا منطقيًا، لا انحرافًا استثنائيًا.

وهنا تعود الفلسفة، لا بوصفها ترفًا ذهنيًا، بل كحاجة وجودية. لأنها الوحيدة القادرة على تعرية الأسئلة التي ندفنها تحت الإنجاز والسرعة. الفلسفة لا تُنقذ العالم، لكنها تمنعه من خداع نفسه. تذكّرنا بأن التقدّم بلا معنى ليس تقدّمًا، بل هروبًا منظّمًا من مواجهة الفراغ.

لسنا بحاجة إلى مُخلِّص، ولا إلى أيديولوجيا مكتملة، بل إلى وعي إنساني صلب. وعيٍ يدرك أن الحرية ليست ما نأخذه لأنفسنا، بل ما نضمنه لغيرنا، وأن العدالة ليست شعارًا، بل ثمنًا أخلاقيًا يجب أن يُدفَع، وأن الكرامة ليست منحة من نظام، بل حق لا يسقط بالتقادم.

ثمّة شيء غامض يتحرّك في عمق هذا العالم… شيء لا يظهر في المؤشرات ولا في التحليلات. كأن البشرية تقف على حافة وعيٍ جديد، مرتبك، متردّد، لا يعرف إن كان ما ينهار هو العالم، أم الوهم الذي عاشت عليه طويلًا. لحظة صمت ثقيل، بين معنى لفظ أنفاسه الأخيرة، ومعنى لم يولد بعد.

وعندما يتعب العالم من نفسه، لا يبحث عن خطابٍ أكثر بلاغة، بل عن إنسانٍ لم يُفرغ قلبه من الإحساس. عن صوتٍ يعترف: لستُ بريئًا، لكنني مسؤول. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للحضارة، ليس أن تخطئ، بل أن تُخطئ وهي مقتنعة تمامًا أنها على حق.

في اللحظة التي يقتنع فيها الإنسان أن لا شيء يستحق الاعتراض، يكون قد خسر آخر خطوط الدفاع عن إنسانيته. ليست الكارثة أن نُخطئ، بل أن نُخطئ ونحن مطمئنون، أن نُقصي الآخرين ونحن واثقون من أخلاقيتنا، وأن نصمت ونحن نُسمّي صمتنا حكمة. فالصمت، حين يُمارَس طويلًا، لا يعود حيادًا، بل يتحوّل إلى شراكة غير معلنة في كل ما يحدث.

ربما لا ينهض العالم غدًا، وربما لا تنتصر القيم سريعًا، لكن ما يُنقذ المعنى دائمًا هو إنسان واحد يرفض أن يكون شاهدًا بلا موقف. إنسان يفهم أن التاريخ لا يكتبه الأقوياء وحدهم، بل يحاكم الصامتين أيضًا. وحين يُكتَب هذا العصر يومًا، لن يُسأل الناس عمّا عرفوه، بل عمّا فعلوه بما عرفوه.

وأقول أنا:

«الصمت ليس حيادًا دائمًا…

أحيانًا يكون أكثر أشكال الانحياز قسوة.»

بقلمي 🖋️

د. عمّار محمد الرجوب