+
أأ
-

د.فوزان العبادي يكتب :الأردن… إرث الدولة التي لا تزايد، وذاكرة أمة يحاول المشككون اغتيالها

{title}
بلكي الإخباري

 


ليس مستغربًا أن يُستهدف الأردن كلما اهتزّ الإقليم، ولا مفاجئًا أن تتكاثر حملات الطعن كلما التزم موقفًا متزنًا. فالدول التي لا تصرخ تُتَّهَم، والدول التي لا تزايد تُشكَّك، والدول التي تحافظ على سيادتها تُستهدف بالشائعات. ما يجري اليوم ليس نقدًا سياسيًا، بل محاولة ممنهجة لاغتيال الذاكرة وتشويه الإرث، عبر أصوات اعتادت الطعن لأنها عاجزة عن الفعل.
في كل منعطف عربي، وكل أزمة إقليمية، وكل اختبار للوعي الجمعي، تظهر ذات الأصوات؛ أصوات لا تعيش إلا على الطعن، ولا تتغذّى إلا على التشكيك، ولا تجد لها مكانًا إلا في خاصرة الأردن.
أصوات اعتادت أن تخرج من هامش التاريخ لتعيد كتابة رواياته بما يخدم أحقادها، أو فشلها، أو أمراضها السياسية المزمنة.
الأردن، الذي كان وما زال حاضنة للأشقاء العرب، وممرًّا للأمل لا بوابة للخراب، يتعرّض اليوم كما بالأمس  لحملة طعن منظمة، تتكرّر بتكرار الأحداث:
في غزة،
في إيران،
في فلسطين،
وحتى في مباريات كرة القدم.
وكأن المطلوب أن يكون الأردن دائمًا في قفص الاتهام، فقط لأنه لم يصرخ، ولم يزايد، ولم يتاجر بالدم.
من يطعن بالأردن لا يقرأ التاريخ، أو يقرأه انتقائيًا ومزوّرًا. فهذا البلد الذي يتهمونه زورًا بالخيانة، هو نفسه الذي قدّم أبناءه شهداء في معارك الدفاع عن الأمة العربية، وهو الذي لم يتخلَّ يومًا عن موقف قومي حقيقي، لا شعاري، ولا موسمي، ولا استعراضي.
الأردن لم يكن يومًا تاجر قضايا، بل دولة موقف كان أول من يمد يده لأي توافق عربي، وآخر من يسحبها، حتى عندما خذله الآخرون.
تحمّل الخيانات بصمت، ودفع أثمانها أمنًا واقتصادًا وسياسة، لكنه لم يحوّل ذلك إلى صراخ ولا إلى دعاية. والمفارقة المؤلمة أن بعض من يزايدون اليوم على عروبة الأردن، هم أنفسهم من صمتوا عند لحظات الاختبار الحقيقي، أو اصطفّوا مع مصالحهم الضيقة، أو أعادوا تعريف الوطنية بما يناسب أنظمتهم أو جمهورهم.
إن أخطر ما في هذه الحملات ليس فقط الطعن، بل تزييف الوعي:
تزييف تاريخ الأردن،
تزييف مواقفه،
وتصوير الدولة التي دفعت ثمن الاستقرار كأنها سبب الفوضى.أما الادعاءات المتكررة حول دور الأردن في الحروب الإقليمية، وآخرها ما يُشاع حول الحرب ضد إيران، فهي امتداد لنفس المنهج:
إطلاق الاتهام دون دليل،وتحويل الشائعة إلى “موقف”والتحريض إلى “تحليل”.
وهنا تبرز مفارقة فاضحة لا يمكن تجاهلها: فغالبيّة هذه الأصوات لا تملك الجرأة على الوقوف في وجه الولايات المتحدة، ولا تستطيع أن تقول “لا” حتى لأصغر موظف في سفارة أمريكية، ولا تجرؤ على مساءلة القرار الأمريكي أو مواجهة سياساته علنًا، لكنها تجد في الأردن هدفًا سهلًا لطعنات متكرّرة. بطولاتهم من ورق، وصراخهم انتقائي، وشجاعتهم لا تظهر إلا حين يكون الثمن صفرًا. والأخطر أن بعض هؤلاء يهاجم الأردن وهم يحملون جنسيات تلك الدول نفسها التي يتظاهرون بعدائها، أمريكيين وغيرهم من أبناء جلدتنا العربية، يعيشون في كنفها ويتمتعون بحمايتها، ثم ينصّبون أنفسهم أوصياء على العروبة، ويوزّعون صكوك التخوين على دولة دفعت وما زالت تدفع ثمن مواقفها، بينما هم لم يدفعوا يومًا سوى ثمن منشور أو خطاب فارغ.
الأردن لم يكن يومًا منصة عدوان، ولا أداة ضرب، ولا دولة تُدار بالوكالة.
ومن يرفض تصديق ذلك، فمشكلته ليست مع الأردن، بل مع فكرة الدولة نفسها، ومع مفهوم القرار السيادي، ومع نموذج لا يستطيعون تقليده ولا إسقاطه.
الأردن لا يزايد لأنه لا يحتاج شهادة من أحد. تاريخه أوضح من أن يُشوَّه، ومواقفه أثبت من أن تُكسر. وكل طعنة جديدة لن تُسقطه… بل ستكشف أصحابها.

بقلم د.فوزان العبادي