التعاون الأردني السوري المكثف ينبئ بولادة قطب زراعي إقليمي

عمان - فيما تشهد العلاقات الأردنية السورية تعمقا في عديد المجالات، أكد خبراء أن التعاون الزراعي بين البلدين يُمثل ركيزة أساسية لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والغذائي في المشرق العربي، إذ تتجاوز أهميته حدود تبادل السلع إلى أبعاد إستراتيجية تمس الأمن الغذائي وحركة التجارة الإقليمية.
وبين هؤلاء الخبراء في تصريحات منفصلة لـ"الغد" أن التعاون الزراعي بين البلدين لا يعد خياراً اقتصادياً فحسب، بل ضرورة تفرضها تحديات المناخ وكلف الإنتاج وتقلبات الأسواق، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التكامل الإقليمي القائم على المصالح المشتركة.
وأكدوا أن هذا التعاون من شأنه أن ينعكس على أرقام التصدير والإنتاج بوضوح؛ إذ يلاحظ أن حجم التبادل التجاري بين البلدين قفز بنسبة تجاوزت 185 %، مسجلاً أرقاماً تاريخية تعكس تدفق الخضار والفواكه والصناعات الغذائية عبر ممرات "ترانزيت" ميسرة تربط "المتوسط الاقتصادي" بالخليج العربي.
ولفتوا إلى أن هذا ينبئ بولادة قطب زراعي إقليمي، يعيد صياغة مفهوم الاعتماد المتبادل ليصبح نموذجاً يحتذى به في التكامل.
سورية شريك تاريخي
وفي السياق، قال وزير الزراعة الأسبق المهندس سعيد المصري، إنه قبل عام 2011 كان الأردن وسورية يرتبطان بعلاقات تجارية نشطة شكّلت سورية فيها أحد أهم شركاء الأردن الإقليميين، إذ تراوح حجم التبادل السلعي بين البلدين بين نحو 600 و700 مليون دولار سنوياً، وكان للقطاعين الزراعي والغذائي حصة معتبرة تُقدّر بنحو 250 - 300 مليون دولار.
واضاف المصري: “مع اندلاع الحرب الداخلية في سورية وإغلاق المعابر وتعطل طرق الترانزيت، تراجع هذا التبادل بشكل حاد خلال الأعوام اللاحقة إلى مستويات متدنية جداً، إذ هبط التبادل الزراعي إلى أقل من 50 مليون دولار في بعض السنوات، وارتفعت كلف الشحن وفقدت الصادرات الأردنية منفذها البري الرئيسي نحو أسواق أوروبا الشرقية وروسيا وآسيا الوسطى، ما انعكس سلباً على تنافسية المنتجات الزراعية الأردنية.”
وتابع: "اليوم يفتح التقارب الزراعي الجديد أفقاً مختلفاً يقوم على الانتقال من مجرد تبادل تجاري ثنائي إلى شراكة إنتاجية وتصديرية أوسع، تشمل تسهيل انسياب السلع وتفعيل الترانزيت الزراعي عبر الأراضي السورية، بما يتيح مرور المنتجات الزراعية الأردنية إلى لبنان وتركيا وأوروبا الشرقية وروسيا وآسيا الوسطى براً وبتكلفة أقل وزمن نقل أقصر، إلى جانب تفعيل الاتفاقية الرباعية مع لبنان والعراق."
وقال: "كما يبرز في هذا السياق مجال واسع للاستثمارات المشتركة في الإنتاج الزراعي الطازج والمحاصيل الحقلية والأشجار المثمرة، إضافة إلى الصناعات الغذائية والتعبئة والتبريد والتجميد والخدمات اللوجستية، وسلاسل التبريد ومراكز التجميع والنقل المبرد."
وأوضح المصري أن هذا التكامل المحتمل يجمع بين وفرة الأراضي وتكلفة الإنتاج الأقل في سورية، والخبرة التقنية والتسويقية والبنية التصديرية المتقدمة في الأردن، بما يعزز القدرة التنافسية للمنتجات الزراعية ويرفع فرص زيادة الصادرات الأردنية إلى الأسواق الإقليمية والدولية.
أبعد من التبادل
من جهته، رأى الباحث والخبير في الشؤون الزراعية والتنموية د. نبيل بني هاني، أن التعاون الزراعي بين الأردن وسورية يمثل ركيزة أساسية لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والغذائي في المشرق العربي، إذ تتجاوز أهميته حدود تبادل السلع إلى أبعاد إستراتيجية تمس الأمن الغذائي وحركة التجارة الإقليمية.
وأضاف بني هاني: "من الناحية التجارية، تُعدّ سورية المنفذ البري الأهم أمام الصادرات الزراعية الأردنية باتجاه الأسواق الأوروبية وتركيا ولبنان، في حين يشكل الأردن بوابة عبور رئيسية للمنتجات السورية نحو دول الخليج العربي"، مبينا أن هذا الترابط يعيد الحيوية إلى خطوط الترانزيت البرية، ويُسهم في تقليص كلف الشحن ومدة الوصول إلى الأسواق، ما يمنح المنتجات الزراعية في البلدين قدرة أكبر على المنافسة مقارنة بخيارات النقل البحري أو الجوي الأعلى تكلفة.
وعلى المستوى الإنتاجي، بين بني هاني أن تنوع المناخ بين البلدين يتيح فرصة حقيقية للتكامل، فالمواسم الزراعية في غور الأردن الدافئ شتاءً تختلف عن تلك في السهول والسواحل السورية، ما يسمح بتعويض أي تراجع في إنتاج صنف معين في أحد البلدين عبر الطرف الآخر، وهذا التنسيق يخفف من تقلبات الأسعار ويحافظ على استقرار توفر السلع في الأسواق المحلية، ويحد من الأزمات المفاجئة المرتبطة بالظروف الجوية.
وتابع: “كما يشكل التعاون بين عمان ودمشق قاعدة أساسية لتفعيل الاتفاقية الرباعية التي تضم الأردن وسورية والعراق ولبنان، حيث يسهم التنسيق في توحيد الإجراءات الصحية والرقابية وتسهيل حركة الشاحنات عبر الحدود، وبهذا تتحول المنطقة من مجرد سوق استهلاكية إلى مساحة إنتاج وتوزيع قادرة على تعزيز حضورها في الأسواق المجاورة.”
وقال بني هاني إن الأهم من ذلك، أن هذا التعاون يوفر مظلة حماية للمزارع المحلي في كلا البلدين، عبر تنظيم الروزنامة الزراعية وتبادل المعلومات حول حجم الإنتاج والفائض، فالتنسيق المسبق يمنع إغراق الأسواق بكميات كبيرة تؤدي إلى تراجع الأسعار، ويتيح في المقابل توجيه الفائض إلى أسواق التصدير أو سد النقص عند الحاجة، بما يحافظ على استقرار دخل المزارعين ويعزز استدامة القطاع الزراعي.
وزاد: “بهذا المعنى، لا يُعد التعاون الزراعي بين الأردن وسورية خياراً اقتصادياً فحسب، بل ضرورة إستراتيجية تفرضها تحديات المناخ وكلف الإنتاج وتقلبات الأسواق، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التكامل الإقليمي القائم على المصالح المشتركة.”
مربع التكامل الإنتاجي
بدوره، اعتبر رئيس جمعية التمور الأردنية والخبير الزراعي د. أنور حداد، أنه في ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي يشهدها عام 2026، لم يعد التعاون الزراعي بين الأردن وسورية مجرد خيار دبلوماسي، بل ضرورة إستراتيجية تفرضها تحديات الأمن الغذائي العالمي ونقص الموارد.
وأضاف حداد أنه يمكن أن يتجلى هذا التعاون اليوم من خلال الانتقال من مربع "التبادل التجاري التقليدي" إلى مربع "التكامل الإنتاجي الشامل"، حيث يمكن للبلدين أن ينجحا في تفعيل الاتفاقية الرباعية التي تضم أيضاً العراق ولبنان، وتحويل المنطقة إلى كتلة اقتصادية قادرة على مواجهة تقلبات الأسواق الدولية.
وعلى صعيد الموارد المائية التي تشكل التحدي الأكبر لكلا البلدين، رأى حداد أن العام الحالي شهد تفاهمات تقنية غير مسبوقة حول حوض اليرموك وسد الوحدة؛ لتجاوز العقبات التاريخية عبر لجان فنية مشتركة تعمل على مبدأ "تقاسم الوفرة والضرر"، مع إدخال التكنولوجيا المتقدمة في إدارة الندرة المائية والري الرقمي والتحكم الإلكتروني بالسدود، ما يضمن انسياباً عادلاً للمياه يدعم استقرار الزراعات المروية في البلدين.
أما في ملف الأمن الغذائي للبلدين، فأوضح حداد أن الاستثمار في زراعة الحبوب يعد حجر زاوية في هذه العلاقة؛ فبينما يعاني الأردن من فاتورة استيراد باهظة للقمح والشعير، يمكن لسورية أن تفتح أبوابها أمام "الزراعة التعاقدية" مع الأردن، ما يتيح للشركات الأردنية استثمار مساحات شاسعة من الأراضي السورية الخصبة لزراعة أصناف من القمح المطور.
وقال إن هذا التكامل سيؤمن احتياجات المملكة، لا بل يحفز الإنتاج السوري ويوفر فرص عمل واسعة، ويخلق توازناً فريداً يجمع بين "الأرض السورية" و"التكنولوجيا والتمويل الأردني".
وزاد أن هذا السيناريو يستند في جوهره إلى "معادلة القوى البشرية"؛ حيث تتلاحم الخبرة الفطرية والمهارة الميدانية للعامل والمزارع السوري مع الكفاءة الفنية الأردنية في ضبط الجودة والتسويق الدولي.
وزاد: "كما سينعكس التعاون على أرقام التصدير والإنتاج بوضوح، ويلاحظ أن حجم التبادل التجاري بين البلدين قفز بنسبة تجاوزت 185 %، مسجلاً أرقاماً تاريخية تعكس تدفق الخضار والفواكه والصناعات الغذائية عبر ممرات "ترانزيت" ميسرة تربط "المتوسط الاقتصادي" بالخليج العربي، وهذا ينبئ بولادة قطب زراعي إقليمي، يعيد صياغة مفهوم الاعتماد المتبادل ليصبح نموذجاً يحتذى به في التكامل."
لقاءات مكثفة
وكان وزير الزراعة الدكتور صائب الخريسات استقبل الأسبوع الماضي وزير الزراعة السوري الدكتور أمجد بدر والوفد المرافق له، حيث عقد الجانبان اجتماعًا موسعًا جرى خلاله بحث سبل توطيد العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون المشترك بين البلدين الشقيقين في القطاع الزراعي.
وجاء اللقاء في إطار الحرص المشترك على تطوير القطاع الزراعي وتبادل الخبرات الفنية، بما يسهم في تعزيز الأمن الغذائي المستدام في كلا البلدين، حيث تناول اللقاء مجالات التعاون في الزراعة الحديثة، وإدارة الموارد المائية والحصاد المائي، ومكافحة الآفات والأمراض النباتية والحيوانية، إضافة إلى تبادل الخبرات الفنية وبناء القدرات.
وأكد الدكتور الخريسات حينها أهمية التعاون والتنسيق في مجالات الثروة الحيوانية، وتبادل الخبرات في الخدمات البيطرية، لا سيما في مكافحة الأمراض العابرة للحدود، والحجر البيطري، وأعمال المسح والرصد الوبائي، وتطبيق أنظمة الإنذار المبكر، مشددًا على أهمية التعاون مع المنظمة العالمية لصحة الحيوان في هذا المجال.
وناقش الوزيران عددًا من القضايا ذات الاهتمام المشترك، أبرزها تعزيز التبادل التجاري الزراعي بين الأردن وسورية، وتسهيل انسياب السلع الزراعية، وبحث آليات مرور المنتجات الزراعية عبر الأراضي السورية لمقاصد التصدير المختلفة.
كما جرى تأكيد أهمية تفعيل الاتفاقية الرباعية للتعاون الزراعي التي تضم الأردن وسورية ولبنان والعراق.
واستعرض خريسات تجربة إنشاء بنك البذور في الاردن والتطور الذي حققته المملكة في تكنولوجيا إنتاج البذور والأسمدة والمبيدات وتميز الأصناف الزراعية المنتجة محليًا، مؤكدًا أهمية التشبيك بين القطاع الخاص في البلدين للتعاون في إعادة بناء القطاع الزراعي في سورية.
من جانبه، استعرض الدكتور بدر تحديات وفرص القطاع الزراعي حاليًا مثمنًا حرص الجانب الأردني على التعاون وتبادل الخبرات بين البلدين، وإمكانية تقديم الدعم في مجالات مكافحة الأعداء الحيوية والغابات وقطاعي الثروة النباتية والحيوانية.
















