خلدون عليدي ال خطاب يكتب : يوم الوفاء للمتقاعدين العسكريين… عهد لا ينتهي وانتماء لا يتقاعد

في الخامس عشر من شباط من كل عام، يقف الأردنيون وقفة وفاء وعرفان لثلة من الرجال الذين حملوا شرف الجندية، وكتبوا بعرقهم وتضحياتهم صفحات المجد في سجل الوطن.
لقد جاء يوم الوفاء للمتقاعدين العسكريين والمحاربين القدامى بتوجيهات ملكية سامية من جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، القائد الأعلى للقوات المسلحة الأردنية، تأكيداً على أن خدمة الوطن لا تنتهي بالتقاعد، وأن من حمل السلاح دفاعاً عن الأردن يبقى في وجدان الدولة وقيادتها وشعبها.
هذا اليوم لم يكن مجرد مناسبة رمزية، بل هو نهج راسخ دأبت عليه القيادة الهاشمية، التي آمنت بأن المتقاعد العسكري هو جزء أصيل من منظومة القوة الوطنية. ومن هنا، أوعزت القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي إلى جميع التشكيلات والوحدات العسكرية بفتح أبوابها واستقبال من خدموا في صفوفها، تكريماً لهم، واستذكاراً لمسيرتهم، وتجديداً لعهد الوفاء الذي لا ينقطع.
صباح اليوم الخامس عشر من شباط، كنا على موعد مع هذا الوفاء.
لبّينا الدعوة بقلوب تسبق خطواتنا، ونام الجميع على فرح هذا اللقاء. كلٌّ منا أعدّ ما سيرتديه، لا لأن المناسبة احتفال فحسب، بل لأنها عودة إلى جزء من الروح التي لم تغادرنا يوماً.
دارت في أذهاننا سنوات الخدمة، مراحلها، ميادينها، وتفاصيلها. استعدنا وجوه الرجال، وأصوات القادة، ومواقف لا تُنسى، وتساءل كل منا عمّن سيلتقي اليوم من رفاق السلاح الذين جمعتنا بهم أيام العز.
وكما هي عادة العسكريين، كنا باكراً على أهبة الاستعداد، نحث الخطى نحو مواقع الاحتفال، وكأننا في طريقنا إلى مهمة جديدة.
هناك، كانت الوجوه مشرقة، باسمة، تستقبل كل من يصل بمحبة واعتزاز. عيون تبحث في ملامح الزمن لتتعرف على رفاق الأمس. بعضنا مضى على تقاعده أربعة أو خمسة عقود، وآخرون سلّموا الراية حديثاً، لكن الروح بقيت واحدة، والانتماء لم يتغير.
وجدنا من عمل معنا يوماً برتب صغيرة، وقد ارتقوا حتى بلغوا أعلى المراتب، ووجدنا من لا يزال يواصل المسير في درب الشرف. رأينا بعضنا وقد غيّر الزمن ملامحه، فابيض الشعر، وانحنى الظهر، لكن حين وقعت أعيننا على ميادين التدريب، عادت إلينا الروح ذاتها، وتمنينا لو يعود بنا الزمن لنقف فيها من جديد، نحمل المسؤولية ذاتها، ونؤدي القسم ذاته.
كان اللقاء فرصة لا تُقدّر بثمن. التقينا بزملاء فرّقتنا السنون وجمعتنا الذكريات. التقينا بمن عمل معنا، ومن عملنا معهم، ومن كانوا تحت قيادتنا، ومن كنا تحت قيادتهم. تبادلنا الأحاديث، واستعدنا المواقف، وضحكنا كما كنا نفعل، وكأن الزمن توقف احتراماً لهذا اللقاء.
وتجولنا في مرافق وحداتنا، شاهدنا ما شهدته من تطور وتنظيم وتحديث في التسليح والمعدات والتجهيزات. شعرنا بالفخر والطمأنينة، لأن الراية التي حملناها يوماً لا تزال في أيدٍ أمينة، وأن الجيش الذي خدمنا فيه يزداد قوة ومنعة واقتداراً.
ولم يكن هذا المشهد محصوراً في موقع واحد، بل امتد على مساحة الوطن كله، من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه. كان الأردن كله يحتفل برجاله. وفي الديوان الملكي العامر، كان زملاء لنا يلتقون رفيق السلاح، جلالة الملك عبد الله الثاني، كما التقيناه من قبل، قائداً قريباً من جنوده، وفياً لمن خدموا تحت رايته.
في هذا اليوم، أدركنا بعمق معنى أن يكون المتقاعد العسكري رديفاً للجيش. إنها ليست عبارة تُقال، بل حقيقة نعيشها ونؤمن بها. فلو نادى الوطن يوماً، سنلبي النداء دون تردد، بكل فخر واعتزاز، جنوداً في صفوفه، نحمل روحه، ونذود عنه بما نملك من عزيمة وإيمان.
إن يوم الوفاء للمتقاعدين العسكريين ليس احتفالاً بذكرى، بل هو تجديد لعهد، وتأكيد على أن الجندية شرف لا ينتهي، وأن الانتماء للوطن لا يعرف التقاعد.
حمى الله الأردن، وحمى قواته المسلحة – الجيش العربي، وحفظ قائدها الأعلى، جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، ذخراً وسنداً للوطن، وأدام على هذا البلد نعمة الأمن والقوة والوفاء.
العميد الدكن المتقاعد
خلدون عليدي ال خطاب















