أ.د. محمد الفرجات يكتب : مقترح حزمة حلول منطقية ومقبولة شعبيا لأصلاح الضمان

كتب أ.د. محمد الفرجات
في أعقاب إقرار الحكومة في الأردن تعديلات جديدة على قانون الضمان الاجتماعي، عاد النقاش مجددًا حول فلسفة الإصلاح: هل المطلوب إصلاح محاسبي سريع لسد فجوة مالية، أم إصلاح وطني شامل يحمي الاستقرار الاجتماعي ويصون حقوق المواطنين؟
إنّ أي تعديل يمس منظومة التقاعد لا يجوز أن يُتعامل معه كملف مالي بحت. فالضمان الاجتماعي ليس صندوق ادخار تقليديًا، بل هو عقد اجتماعي طويل الأمد بين الدولة والمواطن، يمس الأمن المعيشي للأسر، واستقرار سوق العمل، وثقة الأجيال بالمؤسسات العامة.
أولاً: الإصلاح الحقيقي يبدأ بالدراسة لا بالقرار…
رفع سن التقاعد أو تعديل شروط الاستحقاق قد يبدو منطقياً في الحسابات الاكتوارية، لكنه قد يتحول اجتماعياً إلى ضغط شديد إذا لم يُبنَ على دراسة دقيقة لمتوسط العمر المتوقع، وطبيعة المهن، ومعدلات البطالة المرتفعة بين الشباب، وقدرة الاقتصاد على استيعاب العمالة الأكبر سناً.
فإذا بقي الموظف في موقعه سنوات أطول دون توفير وظائف جديدة، فإننا عملياً نؤجل تقاعد جيل ونؤخر فرص عمل جيل آخر، ما يوجد اختلالاً اجتماعياً واقتصادياً مزدوجاً.
ثانياً: أموال الضمان ليست خزينة بديلة…
حماية أموال المشتركين يجب أن تبقى خطاً أحمر لا يقبل التأويل.
هذه الأموال ملك للمشتركين والمتقاعدين، وليست مورداً مالياً يمكن التوسع في استخدامه أو المخاطرة به دون ضمانات صارمة للعائد والشفافية.
إن الثقة بالمنظومة أهم من أي إجراء مالي قصير الأمد، وأي إحساس بالتغوّل على مدخرات الناس يضعف هذه الثقة ويهدد استقرار النظام نفسه على المدى الطويل.
ثالثاً: جوهر الأزمة ليس سن التقاعد… بل مديونية الحكومة
لا يمكن الحديث عن استدامة مالية حقيقية لصندوق الضمان دون مواجهة الحقيقة الأساسية: مديونية الحكومة تجاه الضمان التي تقارب تسعة مليارات دينار.
الإصلاح الذي يتجاهل هذه الحقيقة يشبه محاولة علاج الأعراض وترك السبب.
لقد طرحتُ قبل سنوات مقترحاً عملياً لتحويل هذه المديونية من عبء مالي إلى فرصة تنموية، يقوم على إعادة هيكلة الدين عبر تحويله إلى أصول استراتيجية منتجة بدلاً من بقائه التزاماً نقدياً.
رابعاً: تحويل الدين إلى أصول… الحل الواقعي القابل للتنفيذ
الفكرة بسيطة ومنطقية اقتصادياً:
بدلاً من بقاء الدين رقماً في دفاتر الحكومة، يتم تحويل جزء منه إلى ملكيات استراتيجية لصالح صندوق الضمان، مثل أراضي المشاريع الوطنية الكبرى شرق عمّان أو مناطق التطوير في وادي عربة، ثم تطويرها بشراكة حكومية واستثمارية وفق خطط اقتصادية محكمة.
هذا المسار يحقق عدة نتائج متزامنة:
تخفيف عبء الدين الداخلي عن الموازنة
تحويل الضمان إلى مالك لأصول مدرة للدخل
تسريع مشاريع وطنية كبرى
توفير فرص عمل جديدة في المحافظات
تعزيز الاستدامة المالية للصندوق
حماية حقوق المشتركين بعوائد حقيقية لا نظرية
أي أننا لا نحل المشكلة فقط، بل نحولها إلى محرك للنمو الاقتصادي.
خامساً: الإصلاح المطلوب هو إصلاح متوازن لا صادم…
الإصلاح الذكي لا يبدأ بتحميل المواطن سنوات عمل إضافية، بل يبدأ بتعظيم العوائد الاستثمارية للصندوق، وتحسين إدارة الأصول، واسترداد حقوق الضمان لدى الحكومة، وتوسيع الاقتصاد المنتج الذي يزيد عدد المشتركين أصلاً.
فالاستدامة المالية لا تُبنى فقط بتأخير التقاعد، بل ببناء اقتصاد قوي يولد اشتراكات جديدة وعوائد استثمارية مستدامة.
وبالنهاية فإن حماية منظومة الضمان الاجتماعي ليست قضية مالية فقط، بل قضية ثقة وطنية وعدالة اجتماعية واستقرار اقتصادي.
وأي إصلاح لا يحقق التوازن بين الاستدامة المالية وحقوق المشتركين سيبقى إصلاحاً ناقصاً.
الطريق الواقعي موجود، والحلول ممكنة، لكن الإصلاح الحقيقي يبدأ حين نقرر معالجة جذور المشكلة لا الاكتفاء بتعديل أرقامها.


















