+
أأ
-

بشار جرار : زمن الحكواتي وعصر «الكَلَمَنْجي»!

{title}
بلكي الإخباري

يذكّرنا الشهر الفضيل بأيام الدورات البرامجية الرمضانية التي كانت لا تخلو من مسلسل أو فقرة في سهرة منوعات بطلها «حكواتي». تلك مهنة أبدع فيها تراث الشامي، لكنه انحصر عمليا في الموروث السوري الشعبي، فيما اشتهرت صنوف أخرى من الإبداع كالزجل اللبناني والفلسطيني في مهارات لغوية قائمة على السجع والقوافي دون اكتراث بحكايات الحكواتي.

أما القصيد الأردني البدوي وأهازيج الريف الأردني، فقد شكلت عماد التراث الشعبي المروي الأردني، كما في عدد من الدول الشقيقة التي تعتز ببداوتها وتحافظ على أصولها وتقاليدها ومرجعياتها الروحية والفكرية واللغوية فاستطاعت الحفاظ على العربية السليمة، دون لحن أو رطن، بما هو أعجمي أو غريب من الألفاظ. لهذا كانت وستبقى اللهجة الأردنية خصوصا ولهجات البوادي العربية عموما هي الأقرب إلى اللسان العربي المبين.

لكن الأثر التركي، العثماني أو «العصملّي»، لم يتوقف عند زمن الحكواتي، فصار الكثير من المتأثرين بالجوار الإقليمي من مزاولي مهنة الكلام لا السرد. مجرد كلام قد يعتمد أحيانا على السجع، وأحيانا أخرى على الزعق! رفْعُ عقيرة الصوت لإحداث جَلَبَة، لا مجرد جلب انتباه السامعين. زعيق وصراخ استجلابا للاهتمام. صياح لا تلون فيه لطبقات الصوت وتردداته، أو حدّته ونبراته. ولا تنوعا في أساليب الإلقاء والسرد التي يتميز بها الحكواتي، حتى يكون قادرا على كسب اهتمام المارة في الأسواق وأزقتها القديمة، ومن ثم تحويلهم إلى جمهور يداوم على انتظاره، وتتسابق عليه المقاهي أملا في زيادة عدد الزبائن، وبالتالي «المشاريب» التي تعدّ في نهاية المطاف «مصاري» يتم «تصميدُها» في «صَمَدِيّة» أو «مَطْمورَة» ذهَبا خالصا «رشاديّا» لا «سترلينيا» إنجليزيا، ولا صينيا صناعيا كالذي يحاول البعض الترويج له إلكترونيا.

شتان بين الحكواتي والكلمنجي! الأول يخدم في روايته دائما الحبكة، دون إغفال للتفاصيل التي تحدثها مهارات انتقاء المفردات والإلقاء في ذهن المستمع-المشاهد، فيما الكلمنجي مازال أسير «صفّ الحكي» سرعان ما يذهب أدراج الرياح، وأحيانا قبل انفضاض «السامر»!

عرفت سائر دول المشرق وليس الشام وحده، مهنا ارتبط فيها اسم الصانع من المصنوع أو المُنتَج، كالكبابجي والعَرْبَجي! وكذلك انتشرت مهن كالساعاتي على غرار الحكواتي. لا ضير في كل ذلك، والناس كلما زادت وعيا ارتقت وسمت تسامحا لا بل ومحبة واحتراما وتقديرا للاختلاف وإن صار خلافا، على ألا يفسد للود قضية..

لكن ما تطالعنا به منصات التناحر الاجتماعي والتنابز بالألقاب والهمز واللمز، وجدت طريقا لها تحت ذريعة البث الحي والمباشر. وباسم حرية تشغيل كل من هب ودب لهاتفه الخلوي وكأنه كميرا بث مباشر أو نقل خارجي، انفلت الأمور من عقالها. صار مقطعا صوتيا أو فيديو مجتزأ أو مفبرك مادة لمشهدية لا يجوز السكوت عنها ولا عليها. بلغ الأمر ببعض «الكلمنجية» التطاول على مقامات الناس زعما بالعفوية أو تلطيا بانفعالية تنحل «ببوسة لحية». للناس كافة مقاماتهم الواجب حفظها واحترام واجبها، ومن باب أولى من يتسنموا مواقع القيادة أو الصدارة في أي مجلس كان مادام الفضاء عاما وما يتداوله الناس يصير أكثر شيوعا عبر الفضاء السيبراني ذي الناب الأزرق! يعلم متداولو تلك المقاطع التي يتم وسمها بكلمتي «فيديو متداول» أنه يعممون ويعززون سلبيات ليس مشاهدة في الأردن فقط وإنما خارج حدود الوطن، وهناك من يرصد بدوافع مختلفة، ومن زوايا متضادة، بعضها حادة لا منفرجة!

قبل أسابيع أبدى البعض تحفظه على استخدام الجهات المختصة كلمة «عيب» في إعلان توعوي هدفه الحفاظ على صورة بلادنا نظيفة، والذود عن سمعتنا كأردنيين، بأننا نؤمن -قولا وعملا- بأن «النظافة من الإيمان».. عابوا على البعض استخدام كلمة «عيب»، لمن يريد إلقاء الأوساخ في وجوهنا جميعا من نافذة سيارته فارهة كانت أم خردة «سِكراب»! فما بالكم بمن يلقون ما هو فجّ وفظّ، ما هو مرفوض جملة وتفصيلا على مسامعنا عبر وسائل الإعلام، وبعضها للأسف يكتفي بنشر ما يسيء دون أن يقول بالفم المليان، بنشرات الأخبار وبالبرامج الحوارية وبفقرات التواصل الاجتماعي و»هاشتاغاته»، إنه من العيب إساءة الأدب في التخاطب في أي محفل كان ولو على قارعة طريق. ومن المعيب أن ينحدر الحال ببعض الحكواتية إلى الدرك الأسفل من الكلمنجية، فتلك بلطجة لفظية، من الخطر أن تمر بلا حساب.. حساب قانوني رادع لهذا الشكل الممجوج من «التنمّر» الشعبوي! وكما أن هناك حقا عاما وحقا خاصا، فإن فضاء السياسة في طبيعته عام، وكلنا بذلك أصحاب حق. السكوت على تلك الممارسات اللفظية والعنتريات الجسدية «التشويح والتشبيح الحركي» مرفوضة في الفضاء العام. مجرد توجيه المتحدث -أي متحدث- لإصبعه أثناء الحديث مع أي طرف آخر، يعتبر تنمرا وعدائية وتحريضا وتهديدا، وثمة من فقد وظيفته أو تم عزله من منصبه، جراء إساءة التعبير التي تعتبر في بعض الحالات إساءة أدب..

رحم الله عبدالله بن المقفّع القائل في رائعته «كليلة ودمنة»: مَن أمِن العقاب أساء الأدب