قطاع الضيافة في الأردن ينمو… ولكن هل ينمو معه التعليم؟

يشهد قطاع الضيافة والأغذية والمشروبات في الأردن مرحلة توسع واضحة وغير مسبوقة. فنادق جديدة تُفتتح، وعلامات تجارية عالمية تدخل السوق، ومفاهيم محلية طموحة تظهر كل عام. هذا الحراك يعكس ثقة كبيرة بإمكانات السوق الأردني، وبمكانة المملكة كوجهة ضيافة وسياحة في المنطقة.
لكن خلف هذا النمو المتسارع، يبرز سؤال مهم لا يقل أهمية عن حجم الاستثمار أو عدد المشاريع الجديدة: هل نظام التعليم في مجال الضيافة يواكب هذا التوسع؟ وهل نحن نُعد الكوادر التي ستدير هذا النمو بالكفاءة المطلوبة؟
من خلال التجربة العملية داخل القطاع، أصبح من الواضح أن هناك فجوة حقيقية بين ما يتعلمه الطالب في بعض البرامج الأكاديمية – خصوصاً في عدد من الجامعات الحكومية – وبين ما يواجهه فعلياً في بيئة العمل. يدخل الخريجون إلى سوق العمل بحماس ورغبة في التعلم، لكنهم غالباً ما يفتقرون إلى الفهم العملي لطبيعة التشغيل اليومية، وإلى الاستعداد الحقيقي للتعامل مع إيقاع العمل، ومتطلباته، وثقافته المهنية.
المشكلة هنا ليست في قدرات الطلبة أو في شغفهم، بل في طبيعة التجربة التعليمية نفسها. الضيافة ليست تخصصاً نظرياً يمكن إتقانه من خلال القاعات الدراسية فقط، بل هي صناعة تعتمد على الممارسة، والتجربة، والاحتكاك المباشر بالواقع التشغيلي. وعندما يغيب هذا الجانب العملي أو يكون محدوداً، يجد الخريج نفسه أمام صدمة انتقال من بيئة أكاديمية مريحة إلى بيئة عمل سريعة ومتطلبة.
هذا الواقع يضع عبئاً إضافياً على المؤسسات، التي تضطر إلى إعادة تأهيل الخريجين من البداية، واستثمار وقت وجهد كبيرين لتجهيزهم لمستوى الأداء المطلوب. ومع استمرار توسع القطاع، فإن هذه الفجوة قد تتحول إلى تحدٍ حقيقي يتعلق بتوفر الكفاءات القادرة على قيادة العمليات والحفاظ على جودة التجربة المقدمة للضيوف.
إذا كان الأردن يطمح إلى أن يكون مركزاً إقليمياً متميزاً في قطاع الضيافة، فإن الاستثمار في المشاريع وحده لا يكفي. الاستثمار الحقيقي يجب أن يكون في الإنسان، وفي جودة التعليم الذي يمر به قبل دخوله سوق العمل.
ما نحتاجه اليوم هو تقارب أكبر بين القطاع والمؤسسات الأكاديمية. برامج دراسية أكثر ارتباطاً بالواقع، تدريب عملي أطول وأكثر جدية، ومشاركة أوسع من أهل الخبرة في نقل المعرفة الحقيقية للطلبة. كما أن بناء الثقافة المهنية والانضباط العملي يجب أن يكون جزءاً أساسياً من عملية التأهيل، وليس أمراً يُترك للصدفة بعد التخرج.
الأردن يمتلك طاقات شابة وطموحة، ويمتلك سمعة قوية في حسن الضيافة. لكن إذا أردنا لهذا القطاع أن يستمر في النمو بجودة واستدامة، فعلينا أن نُطور منظومة التعليم بنفس سرعة تطور السوق.
فالقطاع قد ينمو بالمشاريع،
لكن مستقبله الحقيقي يُبنى بالكفاءات!



















