+
أأ
-

الأديبة الأردنية فيجا أبوشربي تكتب : حين تختلط العاطفة بالحساب: ماذا يعني سقوط دولة في ميزان السياسة؟

{title}
بلكي الإخباري

 

في الحروب الكبرى، أخطر ما يمكن أن يصيب وعي المجتمعات ليس قوة السلاح، بل ارتباك البوصلة. فعندما تتقدم المشاعر على الحسابات، يتحول التقدير السياسي إلى أمنيات، بينما الواقع تحكمه النتائج لا الرغبات. وما يبدو مكسبًا سريعًا في لحظة انفعال قد يتحول، في المدى الأبعد، إلى خسارة جماعية يصعب احتواؤها.

واليوم، بينما تمر المنطقة بمرحلة شديدة الحساسية، تتصاعد أصوات تعتبر أن إضعاف إيران — أو حتى انهيارها — إنجازًا بحد ذاته. غير أن هذه النظرة، مهما كانت دوافعها، تكشف قصورًا في فهم طبيعة التوازنات الإقليمية. فالعلاقات الدولية لا تُدار بمنطق العداوات المجردة، بل بمنطق موازين القوة وحسابات الاستقرار. وربما ما يثير القلق ليس اختلاف المواقف بحد ذاته، بل سهولة تحوّل النقاش العام إلى مساحة شماتة، وكأن سقوط دولة — أي دولة — حدث عابر، لا زلزال سياسي قد تمتد شقوقه إلى الجميع.

رغم اضطراب الشرق الأوسط، فإن نظامه الإقليمي يقوم على توازن قوى غير معلن. وجود أطراف متنافسة لا يعني الاستقرار الكامل، لكنه يمنع الانفراد المطلق بالقوة. وعندما ينهار أحد أركان التوازن، لا يولد السلام، بل ينشأ الفراغ — والفراغ في الجغرافيا السياسية لا يبقى طويلًا دون أن تملأه قوى أخرى.

وليست العراق ولا ليبيا عنا ببعيد؛ فالعراق بعد عام 2003 تحوّل من دولة مركزية إلى ساحة صراع مفتوحة، امتدت تداعياتها إلى المنطقة بأكملها، بينما قادت الفوضى التي أعقبت سقوط الدولة في ليبيا إلى انتشار السلاح وتصاعد الجماعات المسلحة واهتزاز الاستقرار في محيطها لسنوات. هذه الوقائع لا تتعلق بتقييم الأنظمة التي سقطت، بل بفهم ما يحدث عندما ينهار كيان دولة في بيئة مضطربة. والسؤال الذي يجب طرحه بصدق: هل إسقاط توازن قائم — مهما كانت عيوبه — يخلق استقرارًا، أم يفتح بابًا لفوضى لا يمكن التنبؤ بحدودها؟

الشامتون باحتمال سقوط إيران — إن حدث — لم يدركوا حجم المخاطر الكامنة في هذا السيناريو. فالقضية لا تتعلق بمصير دولة بعينها، بل بتداعيات قد تشمل اختلال ميزان الردع، واتساع الصراعات بدل انحسارها، وفتح الباب أمام تدخلات خارجية أعمق تنقل مركز القرار السياسي والأمني إلى خارج المنطقة بدرجة أكبر، بما يرفع احتمالات عدم الاستقرار في دول الجوار. وبصيغة أوضح: انهيار لاعب إقليمي رئيسي لا يطوي صفحة الأزمات، بل يفتح فصلًا أكثر تعقيدًا.

ولعل أكبر خطأ يُرتكب الاعتقاد بأن إضعاف الخصم الاستراتيجي مكسب تلقائي. فالخصم الضعيف قد يصبح أخطر من الخصم القوي، لأن الضعف يخلق الفوضى، والفوضى تولّد صراعات غير قابلة للضبط. ولهذا تبقى الدول المستقرة — حتى إن كانت منافسة — أكثر قابلية للتعامل من كيانات منهارة أو مناطق نفوذ مفتوحة.

المنطقة تقف اليوم أمام مرحلة إعادة تشكل محتملة، وأي تغير كبير في موازين القوى سيتجاوز حدود الدولة المعنية الى دول الجوار. لذلك فإن التفكير المسؤول لا يقوم على التشفي، بل على السؤال الأهم: ماذا بعد؟ كيف ستُعاد صياغة التوازنات؟ ومن سيملأ الفراغ؟ لأن السياسة لا تُقاس بلحظة سقوط، بل بما يليها من ترتيبات.

اختلال التوازن في السياسة يشبه إزالة عمود رئيسي من بناء متصدع؛ قد يفرح البعض بسقوط جزء منه، لكن الانهيار الكامل لن يترك أحدًا خارج الركام. وفي الشرق الأوسط، قد يكتشف كثيرون — بعد فوات الأوان — أن ما ظنوه انتصارًا لم يكن سوى بداية خطر أكبر. فالتاريخ يعلمنا أن أكثر الأخطاء تكلفة هي تلك التي يرتكبها الناس وهم يعتقدون أنهم في الجانب الرابح.