+
أأ
-

سارة طالب السهيل : حين تتكلم الألوان والزخارف.. بين ثراء الحضارات وذاكرة الشعوب (2-2)

{title}
بلكي الإخباري

اللون ليس مجرد صبغة على القماش أو حجر كريم يلمع في المجوهرات، بل هو حكاية مرئية، ووشم الحضارة على جسد الزمن. حتى الزخارف ليست تفاصيل عشوائية، بل لغة صامتة تحكي عن القوة والموارد والخيال والجمال..

 

في هذا المقال، سأناقش معكم الجزء الثاني.

في المجتمعات ذات التاريخ العريق، تبقى الزخرفة حية في النساء أكثر من الرجال.

العراقية ما زالت تحب الألوان القوية في المناسبات، المصرية لا تتخلى عن الذهب، اليمنية تحمل إرث طرق التجارة في حليها، الأردنية تحفظ رموز التطريز في أثوابها، المغربية تعكس إرث الزليج في أزيائها وحليها. المرأة ليست مستهلكة سلبية، بل وعاء الذاكرة البصرية الأبطأ تغيرًا، تحفظ الرموز والزخارف عبر الطقوس والهوية الجمعية والتوارث. الرجل يبدل ملابسه وفق الوظيفة، أما المرأة فترث الذوق من الأم والجدة، لا من السوق فقط.

هذا الذوق، وهذه الألوان متصلة بشعوب تلك الأرض إلى اليوم لأن الحُلي والزخرفة ليست "موضة سريعة” تتغير كل موسم مثل موديلات الملابس، بل لغة تراثية تنتقل عبر الأعراس، والحرف المحلية، والذائقة الأسرية، والرموز الدينيةً الشعبية والتاريخية التي تستخدم في الفن والملابس والحلي والعمارة .

كما تلعب الهوية الجمعية دورا هاما في الحفاظ على الذوق، وتنقله من جيل إلى جيل فالزخرفة تتحول إلى علامة انتماء والألوان ترتبط بالوطنية والثقافة المحلية.

كما أن الاقتصاد الحرفي يلعب نفس الدور في ظل وجود حرفيين وأسواق للحليّ والتطريز يحفظون القوالب الزخرفية والأشكال والألوان.

علية القوم أو البلاط أو أصحاب السلطة هم من يصنعون الذوق العام عادة أو تصنع من قبل الفنانين من أجلهم

ثم ينتقل الذوق من النخبة للناس عبر التقليد، والهدايا، والأسواق، والاحتفالات، ومع الزمن يصبح "هوية بصرية”.

هذا يقودنا إلى تأمل جماليات الوفرة وجماليات الندرة. جماليات الوفرة تنشأ في البيئات التي تمتلك فائضًا ماديًا وزمنيًا، حيث تصبح الزخرفة معبرة عن الثقة بالوجود، والألوان قوية، والتفاصيل كثيفة بلا خوف من الفراغ. هذه المدرسة تحتفل بالامتلاء والقدرة على الاستهلاك، وتحول كل عنصر بصري إلى إعلان حضاري. في المقابل، جماليات الندرة تولد في ظروف محدودة الموارد أو ضغوط بيئية أو اجتماعية، حيث يختزل الشكل، ويصبح كل لون، وكل خط محسوبًا بدقة، ليس فقط من أجل الجمال، في فلسفة استخدام الموارد في الوفرة يتكاثر الجمال، وينطق بلا صوت، ويسمع من بعيد.

من سومر، وأكد وبابل وآشور إلى بغداد العباسية، ومن مصر واليمن إلى روما وفرنسا، ومن الأندلس والمغرب إلى الأردن، نرى أن الذوق البصري ليس صدفة، بل نتيجة شبكة معقدة من الموارد والتجارة والتقنية والسلطة والدين. الحضارات الغنية بالموارد أنتجت زخارف كثيفة وألوانًا نادرة، تلك الحضارات التي تمتلك وفرة مادية من الأرض استطاعت عبر المعرفة والوعي البصريّ والتأقلم مع غزارة إنتاج الأرض ووحشية الجمال أن تخلق جماليات معقدة وملونة ومزخرفة وجذابة.

الغنى يوسع مدى المواد المتاحة من ذهب وأحجار وحرير وأصباغ نادرة، ويرفع كثافة المهارة عبر حرفيين متخصصين وورش وتدريب متوارث، ويصنع مؤسسات ذوق من بلاط ومعابد وقوانين ترف وأكاديميات، ويربط اللون بالهيبة، فيتحول إلى رمز اجتماعي، ويدخل المنتج الأجنبي الثمين عبر التجارة ليغذي الزخرفة، ويبتكر ألوانًا جديدة عبر التقنية. كل هذه العناصر المتشابكة تنتج معًا تلك اللغة البصرية الكثيفة التي تميز الحضارات الغنية بتاريخها ومواردها.

الذوق العام إذن ليس صدفة، وليس مجرد تفضيلات فردية عابرة. إنه خلاصة ما تتيحه الأرض، وما تسمح به التجارة، وما تفرضه السلطة، وما تحفظه النساء في الذاكرة الطويلة، وما يقدسه الدين، أو يتركه ممكنًا. الحضارات الغنية بالموارد والتاريخ تملك قدرة أكبر على إنتاج لغة بصرية كثيفة ومعقدة، وحين تستمر هذه اللغة قرونًا، تتحول إلى هوية. ولهذا حين ننظر اليوم إلى ألوان العراقيات، وزخارف المصريات، ورموز اليمنيات، وأثواب الأردنيات، وأناقة الإيطاليات، وزليج المغاربة، لا نرى مجرد موضة عابرة، بل تراكمًا حضاريًا لم ينقطع