+
أأ
-

سيناريوهات "اليوم التالي" في إيران: صراع داخلي منضبط وهيمنة متوقعة للحرس الثوري

{title}
بلكي الإخباري

 متابعة: كشف تحليل حديث نشره موقع "The National Interest" عن ملامح المشهد السياسي المتوقع في إيران عقب رحيل المرشد الأعلى علي خامنئي، مستبعداً حدوث تحولات درامية كبرى أو انهيارات مفاجئة في بنية النظام، ومرجحاً في الوقت ذاته سيناريو "الانتقال المحكوم" تحت وطأة المؤسسة العسكرية.لا يبدو أن اليوم الذي يلي رحيل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي سيحمل مشهداً درامياً لانهيار مفاجئ للنظام أو ولادة فورية لمرحلة ديمقراطية جديدة. القراءة الأكثر ترجيحاً تشير إلى أن اللحظة الأولى ستكون لحظة صراع داخلي منضبط داخل بنية النظام نفسه، تقوده المؤسسة الأقوى فيه: الحرس الثوري الإيراني. فخلال العقود الماضية، لم تتعزز مؤسسات التمثيل السياسي أو تتوسع مساحات المجتمع المدني، بل تمددت الدولة الأمنية وتغلغلت في مفاصل الاقتصاد والسياسة والأمن، ما يجعلها الطرف الأكثر استعداداً لوراثة مرحلة ما بعد خامنئي.

 

بنية صُممت للاستمرار لا للتغيير

منذ توليه منصب المرشد الأعلى عام 1989، عمل خامنئي على إعادة هندسة التوازنات داخل الجمهورية الإسلامية. تم تقليص هامش حركة الرؤساء المنتخبين، واحتواء البرلمان، وإضعاف الأصوات الدينية المستقلة، مقابل تمكين الحرس الثوري بوصفه العمود الفقري للنظام. ومع الوقت، لم يعد الحرس مجرد قوة عسكرية، بل تحوّل إلى شبكة متكاملة تشمل أجهزة الاستخبارات، والأمن الداخلي، والعمليات الإقليمية، إضافة إلى إمبراطورية اقتصادية واسعة نشأت في ظل العقوبات الدولية، واستفادت من الاقتصاد الموازي ومن المشاريع الكبرى والبنى التحتية.

 

بهذا المعنى، لم يُبنَ النظام على قاعدة تداول مدني للسلطة، بل على قاعدة أمنية تضمن إعادة إنتاج النخبة الحاكمة. صحيح أن الدستور الإيراني ينص على آليات لخلافة المرشد عبر مجلس الخبراء، لكن أي مسار “قانوني” لن يكون فعالاً ما لم يحظَ بقبول وتوافق داخل دوائر الحرس الثوري والنخبة الأمنية والدينية المتحالفة معه.

انتقال على مرحلتين: تسوية داخلية ثم اختبار الشارع

 

السيناريو الأكثر احتمالاً يتمثل في انتقال من مرحلتين. المرحلة الأولى ستكون تسوية داخلية بين مراكز القوى في النظام، حيث يتنافس قادة الحرس الثوري وأجنحة سياسية ودينية مختلفة على صيغة قيادة جديدة، مع الحفاظ على جوهر السلطة في البنية نفسها. قد تظهر صيغة مرشد أعلى بسلطات أقل نسبياً، أو مجلس قيادة جماعي، أو حتى حكومة تحمل طابعاً انتقالياً تحت عنوان “الاستقرار” أو “الإنقاذ الوطني”، لكن العامل الحاسم سيبقى هو بقاء أدوات القوة الصلبة بيد الحرس.

 

في هذه المرحلة، سيكون الهدف الأساسي للنخبة الأمنية حماية نفسها: تجنب أي ملاحقات محتملة، تأمين المصالح الاقتصادية، وضمان استمرار النفوذ داخل مؤسسات الدولة. ومن المرجح أن يُقدَّم هذا الترتيب على أنه إصلاح أو تجديد، لكنه في جوهره سيكون إعادة توزيع منضبطة للسلطة داخل الإطار القائم.

أما المرحلة الثانية، فهي مشروطة بفشل المرحلة الأولى في تحقيق الاستقرار. فإذا عجزت القيادة الجديدة عن احتواء الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، أو إذا تصاعدت الانقسامات داخل النخبة نفسها، فقد تتسع فجوة بين الدولة والمجتمع تفتح المجال أمام تحول أعمق. غير أن هذا التحول، إن حدث، لن يكون لحظة خاطفة، بل عملية معقدة وممتدة، تتخللها احتجاجات، إضرابات، مساومات سياسية، وربما مواجهات أمنية.

 

عناصر الضغط المحتملة على النظام الجديد

هناك ثلاثة مسارات قد تُضعف أي ترتيب تهيمن عليه المؤسسة الأمنية:

أولاً، عودة الاحتجاجات الشعبية. فقد أظهرت السنوات الماضية استعداد قطاعات واسعة من الإيرانيين للاحتجاج رغم كلفة القمع. وإذا لم تقدم القيادة الجديدة انفراجاً اقتصادياً ملموساً أو تغييراً سياسياً مقنعاً، فقد يتجدد الزخم الاحتجاجي بوتيرة أعلى.

 

ثانياً، تفكك النخبة. الحرس الثوري ليس كتلة متجانسة بالكامل، بل شبكة مصالح متشابكة تضم تيارات وشخصيات متنافسة. ارتفاع كلفة العزلة الدولية أو استمرار الضغوط الاقتصادية قد يفاقم التباينات بين هذه الشبكات، ما يهدد تماسكها.

ثالثاً، البيئة الخارجية. ضغوط إقليمية ودولية مستدامة، سواء عبر العقوبات أو عبر عزل سياسي أوسع، قد تحد من قدرة النظام على المناورة الاقتصادية والالتفاف على القيود، ما يزيد الضغوط الداخلية على القيادة الجديدة.

 

تلاقي هذه العوامل قد يخلق لحظة يصعب فيها على النخبة الأمنية الجمع بين الحفاظ على امتيازاتها وضبط الاستقرار الداخلي، وهنا فقط قد تتشكل فرصة لإعادة صياغة أعمق للعقد السياسي.

بين التفاؤل المفرط والتشاؤم المطلق

الرهان على أن سقوط خامنئي سيقود تلقائياً إلى نظام ديمقراطي يتجاهل تعقيدات البنية الأمنية التي ترسخت خلال عقود. وفي المقابل، افتراض أن الحرس الثوري قادر على تثبيت هيمنته إلى ما لا نهاية يتجاهل ديناميات المجتمع الإيراني والضغوط المتراكمة داخلياً وخارجياً.

 

المقاربة الأكثر واقعية تفترض أن المرحلة الأولى ستكون إعادة ترتيب داخل النظام، وأن أي تحول حقيقي سيتوقف على قدرة المجتمع الإيراني على استثمار لحظة الارتباك داخل النخبة، وعلى تآكل قدرة المؤسسة الأمنية على إدارة الأزمات المتعددة في آن واحد.

لحظة نهاية حقبة لا ولادة فورية

رحيل خامنئي، متى حدث، سيكسر رمزاً مركزياً استمر لأكثر من ثلاثة عقود، وسينهي حقبة سياسية طويلة. لكنه لن يعني تلقائياً تفكيك الدولة الأمنية أو انهيار شبكات النفوذ التي تشكلت حولها. الفارق بين نهاية مرحلة وبداية أخرى قد يكون طويلاً ومعقداً.

 

السؤال الجوهري لن يكون ما إذا كان المرشد الأعلى قد غادر المشهد، بل ما إذا كانت البنية التي بناها قادرة على الصمود من دونه، أم أنها ستدخل في مسار تفكك تدريجي يفتح المجال أمام إعادة تشكيل النظام السياسي. بين رأس السلطة والمجتمع تقف منظومة أمنية واقتصادية متجذرة، وستحاول وراثة المرحلة. أما ما إذا كان الإيرانيون سيتمكنون من تحويل صراع النخبة إلى فرصة لتحول أعمق، فذلك سيبقى رهناً بتوازنات الداخل وضغوط الخارج في السنوات التالية لليوم التالي.