+
أأ
-

أ.د. محمد الفرجات يكتب : الضمان الاجتماعي في الأردن… بين ضرورة الإصلاح وحماية العقد الاجتماعي

{title}
بلكي الإخباري

 

في خضم النقاش الوطني الدائر حول التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي لعام 2026، برزت ورقة موقف مهمة صادرة عن الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني، قدمت قراءة تحليلية معمقة لواقع الضمان في المملكة، وسعت إلى وضع القضية في إطارها الحقيقي: 

إصلاح مدروس يحمي المشتركين ويضمن استدامة المؤسسة في آن واحد.

وقد تميزت هذه الورقة بوضوح المنهجية؛ فهي لم تتعامل مع الضمان الاجتماعي كملف مالي تقني فحسب، بل كجزء من العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع، وركيزة من ركائز العدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي.

كما قدمت تشخيصاً صريحاً لجذور الاختلالات التي تراكمت عبر سنوات طويلة نتيجة تأجيل الإصلاحات الهيكلية وترحيل الأزمات من حكومة إلى أخرى، دون اتخاذ قرارات إصلاحية متدرجة تعالج الخلل البنيوي للنظام.

وفي الوقت ذاته، حرصت الورقة على التأكيد على مبدأين أساسيين في أي عملية إصلاح:

الأول هو تعزيز الاستدامة المالية لمؤسسة الضمان، والثاني هو حماية أصحاب الدخل المحدود والمتقاعدين من أي صدمات اجتماعية أو اقتصادية قد تنتج عن الإصلاحات.

ليس الضمان الاجتماعي مجرد مؤسسة مالية تدير اشتراكات العاملين وتدفع رواتب تقاعدية، بل هو أحد أهم أعمدة الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في الدولة الحديثة. 

فمنذ نشأة أنظمة الضمان في العالم قبل أكثر من قرن، كانت الفكرة الجوهرية تقوم على مبدأ بسيط وعميق في آنٍ واحد: 

التضامن بين الأجيال... أي أن المجتمع يتكافل لضمان حياة كريمة للعامل عندما يتقدم به العمر أو يفقد قدرته على العمل.

وفي الأردن، لعب الضمان الاجتماعي منذ تأسيسه عام 1978 دوراً مهماً في تعزيز هذا العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطنين، حيث وفر مظلة أمان لملايين العاملين وأسرهم، وأسهم في بناء الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في المملكة.

غير أن هذا النظام، كما هو حال معظم أنظمة التقاعد في العالم، يواجه اليوم تحديات بنيوية حقيقية تتطلب نقاشاً وطنياً عميقاً وإصلاحاً متوازناً يضمن استدامة النظام من جهة، وحماية حقوق المشتركين من جهة أخرى.

الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن نظام الضمان في الأردن بدأ يواجه اختلالات مالية وأكتوارية متراكمة.

فالدراسات تشير إلى أن النظام قد يصل إلى نقطة التعادل المالي خلال السنوات القادمة، حيث تتساوى الاشتراكات مع الرواتب التقاعدية المصروفة، قبل أن يبدأ الاعتماد بشكل متزايد على عوائد الاستثمار ثم على الاحتياطيات المالية. 

وإذا لم تُتخذ إجراءات إصلاحية مدروسة، فقد تتعرض هذه الاحتياطيات لضغوط كبيرة في العقود المقبلة.

لكن جوهر المشكلة لا يكمن في عامل واحد فقط، بل في مجموعة من العوامل المتداخلة. فهناك فجوة واضحة بين ما يدفعه المشترك خلال حياته العملية وما يحصل عليه من منافع تقاعدية لاحقاً، إلى جانب الانتشار الكبير للتقاعد المبكر، والذي أصبح يمثل نسبة كبيرة من حالات التقاعد في الأردن. 

وهذا يعني عملياً أن عدداً كبيراً من المتقاعدين يتقاضون رواتب لفترات طويلة مقارنة بمدة اشتراكهم في النظام.

وقد توقفت ورقة الحزب عند هذه المسألة تحديداً، باعتبارها أحد أبرز مصادر الضغط على التوازن المالي للنظام، حيث أشارت إلى أن التوسع غير المنضبط في التقاعد المبكر خلال العقود الماضية أسهم في تعميق الاختلالات الأكتوارية، ما يستدعي إعادة تنظيم هذا المسار بطريقة متدرجة توازن بين حق العامل في التقاعد وبين مصلحة استدامة النظام.

كما أن التحولات الديمغرافية وارتفاع متوسط العمر المتوقع، إضافة إلى تحديات سوق العمل وتباطؤ نمو عدد المشتركين الجدد، كلها عوامل تضغط على التوازن المالي للنظام.

وهنا تبرز إحدى النقاط المهمة التي ركزت عليها ورقة الحزب، وهي أن مستقبل الضمان الاجتماعي لا يتحدد فقط داخل مؤسسة الضمان نفسها، بل يرتبط مباشرة ببنية الاقتصاد الوطني وسوق العمل.

فكلما توسع الاقتصاد الرسمي وارتفعت معدلات التشغيل، اتسعت قاعدة المشتركين وازدادت الإيرادات التأمينية للنظام.

ومن هذا المنطلق، شددت الورقة على ضرورة توسيع مظلة الضمان الاجتماعي لتشمل فئات أوسع من العاملين، وخاصة العاملين في الاقتصاد غير المنظم، والعاملين لحسابهم الخاص، والعاملين في الاقتصاد الرقمي وأنماط العمل الحديثة، وهو توجه أصبح ضرورة في معظم أنظمة الضمان في العالم.

وفي ظل هذه المعطيات، جاءت مقترحات تعديل قانون الضمان الاجتماعي لعام 2026 لتطرح مجموعة من الإجراءات التي تهدف إلى تحقيق التوازن بين الاستدامة المالية وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، مثل رفع سن التقاعد تدريجياً، وزيادة مدة الاشتراك المطلوبة، والحد من التقاعد المبكر، إضافة إلى توسيع شمول فئات جديدة من العاملين.

غير أن ورقة الحزب لم تكتف بعرض المشكلة، بل قدمت مجموعة من المبادئ الإصلاحية التي يمكن أن تشكل أساساً لنقاش وطني أكثر نضجاً، ومن أبرزها مبدأ العدالة الانتقالية في الإصلاح، بحيث تتم التعديلات بشكل تدريجي ومدروس يمنح المواطنين وأصحاب الأعمال الوقت الكافي للتكيف مع المتغيرات، ويمنع حدوث صدمات اجتماعية مفاجئة.

كما دعت الورقة إلى تعزيز الشفافية في عرض الدراسات الأكتوارية ونتائجها للرأي العام، بما في ذلك توضيح ما يعرف بالدين الضمني للضمان الاجتماعي، وتحليل كلفة القرارات الحالية على الأجيال القادمة. 

فالثقة العامة بالمؤسسات لا تُبنى بالشعارات، بل بالوضوح الكامل في عرض الحقائق والبيانات.

ومن النقاط المهمة أيضاً التي تطرقت إليها الورقة ضرورة حماية أصحاب المعاشات المنخفضة والطبقات الأكثر هشاشة من تحمل عبء الإصلاحات، بحيث تكون السياسات الإصلاحية موجهة بالدرجة الأولى نحو تحقيق العدالة الاجتماعية وتقليل التفاوت الاقتصادي، بدلاً من تحميل الفئات الأضعف كلفة الاختلالات السابقة.

كما سلطت الورقة الضوء على الدور الاستراتيجي لصندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي، مؤكدة أن إدارة هذه الاستثمارات يجب أن تقوم على أعلى درجات الحوكمة والكفاءة الاقتصادية، مع توجيه جزء من الاستثمارات نحو مشاريع إنتاجية مدروسة تحقق فرص عمل وتوسع قاعدة المشتركين، دون المساس بمبدأ إدارة المخاطر والحفاظ على العوائد المستقرة للصندوق.

وفي هذا السياق، *يمكن لصندوق استثمار أموال الضمان أن يلعب دوراً تنموياً مهماً من خلال توجيه جزء من استثماراته نحو مشاريع إنتاجية مدروسة في المحافظات، بما يسهم في توفير فرص عمل جديدة وتوسيع قاعدة المشتركين* ، إلى جانب تحقيق عوائد مالية مستقرة للصندوق.

إن الإصلاح الحقيقي للضمان الاجتماعي يجب أن ينطلق من رؤية شاملة ترى في هذه المؤسسة ركيزة للاستقرار الوطني وليس مجرد صندوق مالي. فالضمان هو مرآة للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وأي تآكل في الثقة به ينعكس مباشرة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

ومن هذا المنطلق، لا بد من الإشادة بالجهد الكبير الذي بذله الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني في إعداد ورقة الموقف هذه، لما تضمنته من قراءة عميقة للتحديات البنيوية التي يواجهها نظام الضمان، وما قدمته من تحليل مفصل واقتراحات واقعية تسعى إلى تحقيق التوازن بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية.

لقد تميزت هذه الورقة بالموضوعية والعمق، وبمحاولة تقديم حلول عقلانية ومتدرجة، تراعي مصلحة المشتركين وتحافظ في الوقت ذاته على ديمومة مؤسسة الضمان الاجتماعي، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والنفسي في المملكة.

وبالمجمل، فإن الضمان الاجتماعي ليس مجرد قانون أو مؤسسة، بل هو عقد ثقة بين الدولة والمجتمع.

وإذا نجحنا في إدارة إصلاحه بحكمة وشفافية وعدالة، فإننا لا نحمي مؤسسة مالية فحسب، بل نحمي أحد أهم أعمدة الاستقرار الوطني للأجيال القادمة.

الضمان الاجتماعي… امتحان الدولة الأردنية في العدالة الاجتماعية

في النهاية، فإن قضية الضمان الاجتماعي في الأردن ليست مجرد نقاش تقني حول نسب الاشتراكات أو سن التقاعد أو المعادلات الأكتوارية، بل هي في جوهرها امتحان حقيقي لقدرة الدولة على إدارة العقد الاجتماعي بعدالة وحكمة.

فالضمان الاجتماعي يمثل بالنسبة للمواطن شعوراً عميقاً بالأمان والاستقرار في مواجهة تقلبات الحياة، ويشكل أحد أهم أعمدة الثقة بين المجتمع ومؤسساته.

وعندما يشعر المواطن بأن هذا النظام عادل ومستدام وشفاف، فإنه يتعامل معه كجزء من منظومة الأمان الوطني، لا كمجرد اقتطاع مالي من راتبه.

ولهذا فإن الإصلاح المطلوب اليوم لا ينبغي أن يُدار بمنطق المعالجة المالية الضيقة، بل بمنطق السياسة العامة الرشيدة التي تنظر إلى الضمان كأداة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وكجزء من منظومة الحماية الاجتماعية الشاملة في الدولة.

ومن هنا تبرز أهمية الجهود الفكرية والسياسية التي تبذلها القوى الوطنية والمؤسسات البحثية والأحزاب السياسية في قراءة هذا الملف المعقد. 

وفي هذا السياق، تأتي ورقة الموقف التي قدمها الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني لتشكل إسهاماً مهماً في النقاش الوطني، ليس فقط من حيث تشخيص المشكلة، بل من حيث تقديم رؤية إصلاحية متوازنة تقوم على العقلانية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والتدرج في الإصلاح.

إن مثل هذه الجهود الفكرية الجادة تسهم في رفع مستوى النقاش العام حول السياسات الاقتصادية والاجتماعية في المملكة، وتساعد صناع القرار على بناء سياسات أكثر توازناً واستدامة، بما يحفظ حقوق المشتركين ويصون مستقبل مؤسسة الضمان الاجتماعي كإحدى أهم مؤسسات الاستقرار الوطني في الأردن.

وفي المحصلة، فإن نجاح الأردن في إدارة إصلاح الضمان الاجتماعي بحكمة وشفافية سيبعث برسالة طمأنينة قوية للمجتمع وللأجيال القادمة مفادها أن الدولة قادرة على حماية مؤسساتها الوطنية الكبرى، وأن العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن ما يزال قائماً على الثقة والمسؤولية المشتركة.