+
أأ
-

الأب علاء بعير يكتب : محبة ووفاء على مائدة رمضان مدرسة اللاتين في السماكية

{title}
بلكي الإخباري

الأب علاء بعير 

 

في الأردن، لا يُقاس العيش المشترك بالشعارات، بل بالمواقف اليومية التي تعبّر عن روح المجتمع وتاريخه. وفي محافظة الكرك، التي عُرفت عبر تاريخها بعلاقاتها الأخوية المتينة بين أبنائها، تتجدد هذه الصورة الجميلة من خلال مبادرة مدرسة البطريركية اللاتينية في بلدة السماكية (30 كم إلى الشمال من الكرك) بإقامة إفطار رمضاني يجمع الكهنة اللاتين في الجنوب وبلدية شيحان والمتصرف وممثلي الأجهزة الأمنية وإدارة المدرسة، في لفتة تقدير صادقة لجهودهم المخلصة في خدمة الوطن والمواطن، ولحرصهم الدائم على أمن واستقرار المجتمع.

هذه المبادرة التي انطلقت من طلاب المدرسة، مسيحيين ومسلمين، تعبّر عن روح تربوية أصيلة تنشأ عليها الأجيال في مدارس البطريركية اللاتينية، حيث لا يُنظر إلى المدرسة كمكان للتعليم فحسب، بل كمساحة لتنشئة الإنسان على قيم المحبة والاحترام وخدمة المجتمع.

فمنذ أكثر من مئة وستين عامًا، كانت مدارس اللاتين في الكرك منارات علم وتربية، تفتح أبوابها لأبناء المجتمع دون تمييز، وتجمع تحت سقفها الطلبة المسيحيين والمسلمين في بيئة يسودها الاحترام المتبادل وروح العائلة الواحدة. وعلى مدى عقود طويلة، خرّجت هذه المدارس أجيالًا من أبناء محافظة الكرك، حملوا معهم العلم والقيم الإنسانية النبيلة، وكان لهم حضورهم في مختلف ميادين العمل وخدمة المجتمع.

وفي هذه المدارس يتعلم الطالب منذ سنواته الأولى أنّ الاختلاف في الدين لا يفرّق بين الناس، بل يغني المجتمع ويعزز قيم الاحترام المتبادل. ولهذا تبدو مائدة الإفطار الرمضاني التي يجتمع حولها أبناء المجتمع اليوم في مدرسة اللاتين في السماكية صورة طبيعية من صور الحياة في الكرك، حيث يلتقي الهلال مع الصليب في مشهد أردني أصيل يعكس عمق العلاقة الأخوية بين المسيحيين والمسلمين، ويؤكد أن الأردن نموذج عالمي للعيش المشترك.

إنّ مثل هذه المبادرات، على بساطتها، تحمل رسالة عميقة تؤكد أنّ الأردن سيبقى وطنًا يجمع أبناءه على المحبة والاحترام، وأنّ الكرك ستظل نموذجًا حيًا للعلاقات الأخوية الصادقة. وهذا هو النهج الهاشمي الذي قام عليه هذا الوطن، نهج الحكمة والاعتدال واحترام الإنسان، وهو النهج نفسه الذي تحرص مدارس اللاتين على ترسيخه في نفوس طلبتها، حين تربي الأجيال على محبة الإنسان واحترام الآخر والإيمان بأنّ الوطن يتسع للجميع، ويظل الأردن شامخًا، بقيادته وشعبه، رمزًا للأخوّة والسلام والعيش المشترك