الأب عماد الطوال يكتب : نحو تعليم يبني الإنسان لا الأرقام

الأب عماد الطوال- ماركا الشمالية
في كل عام دراسي يتكرّر المشهد ذاته، تُختزل العملية التعليمية بكل ما تحمله من خبراتٍ إنسانية ومعرفية في رقمٍ يُدوَّن على كشف العلامات ويتحوّل هذا الرقم إلى معيارٍ حاسم يُصنَّف الطلاب على أساسه وتُرسم من خلاله ملامح مستقبلهم، وكأن التعليم لم يكن يومًا مشروعًا لبناء الإنسان بل سباقًا تنافسيًا نحو درجاتٍ أعلى.
هذا الاختزال يعكس خللًا في الفلسفة التي تحكم ممارساتنا التربوية، فالتعليم في جوهره ليس استعدادًا لمرحلة لاحقة فحسب بل هو الحياة ذاتها في طور التشكّل، وكما يقول الفيلسوف والمربّي الأمريكي جون ديوي "التعليم ليس استعدادًا للحياة بل هو الحياة ذاتها".
غير أنّ واقعنا المدرسي كثيرًا ما يناقض هذه الرؤية، ننشغل بسؤال الطالب كم حصلت؟ أكثر مما نسأله ماذا فهمت؟ كيف تفكّر؟ ماذا أضاف لك هذا التعلّم؟ نربط التفوّق بقدرة الطالب على الحفظ ثم نستغرب حين يعجز عن التحليل أو يفتقر إلى مهارات التفكير النقدي وحلّ المشكلات.
حين تُبنى ثقافة المدرسة على الخوف من الخطأ فإنها تُنتج طلابًا يتجنّبون المخاطرة الفكرية، وحين يصبح الامتحان هو الغاية لا وسيلة للتقويم تتحوّل المعرفة إلى مادة جامدة ويغيب عنها بعدها الوظيفي والحياتي، وتتراجع الدافعية الداخلية للتعلّم لتحلّ محلها دافعية خارجية قائمة على القلق والمقارنة والضغط الاجتماعي.
في كثير من السياقات التعليمية يُكافأ الطالب الصامت الملتزم بالقواعد، بينما يُنظر بحذر إلى الطالب كثير التساؤل، يصبح السؤال عبئًا على إيقاع الحصة ويُفهم الاختلاف باعتباره خروجًا عن النظام لا مؤشرًا على تفكير حيّ، وبهذا نُسهم دون قصد في إخماد روح البحث ونستبدل حبّ المعرفة بالسعي إلى العلامة.
ولا يمكن إغفال موقع المعلّم في هذه المنظومة، فالمعلّم يعمل ضمن إطار ضاغط، مناهج مكتظّة وجداول زمنية صارمة ونظم تقييم معيارية تضع إنهاء المنهاج فوق تحقيق الفهم، يُحاسَب على نتائج رقمية لا على أثر تربوي طويل المدى، فيتحوّل دوره تدريجيًا من مربٍّ وبانٍ للشخصية إلى ناقل محتوى ومسؤول عن أداء اختباري. يقول جون ديوي: "إذا كنا نعلّم طلاب اليوم كما علّمنا طلاب الأمس، فإننا نسلبهم الغد." هنا يكمن دور المعلم بانه ليس تكرار المعرفة القديمة، بل مساعدة الطلاب على التفكير والإبداع والتفاعل مع العالم المتغير.
أما على مستوى السياسات فيغلب منطق الإحصاءات ونسب النجاح، بينما يغيب السؤال الجوهري ما نوع الإنسان الذي نريد أن نصوغه عبر المدرسة؟ هل نريد حافظًا متقنًا للإجابات النموذجية أم متعلّمًا قادرًا على التكيّف واتخاذ القرار والتعلّم مدى الحياة؟
إننا لا نُخرّج أجيالًا فاشلة بل نُخرّج في أحيان كثيرة طلابًا متفوّقين في الامتحان، مرتبكين أمام تعقيدات الحياة، نُعدّهم لاجتياز اختبارٍ محدّد بزمن وأسئلة متوقعة، لا لمواجهة عالم متغيّر يتطلّب مرونة فكرية وذكاءً عاطفيًا وقدرة على إعادة التعلّم.
التعليم الحقيقي يتجاوز العلامة ولا يُختصر في إنهاء كتابٍ دراسي هو عملية بناء شاملة، بناء عقلٍ ناقد وشخصية واثقة وإنسان قادر على التفاعل الإيجابي مع ذاته ومجتمعه، هو أن نعلّم الطالب كيف يتعلّم وكيف يسأل وكيف يخطئ ويتعلّم من خطئه قبل أن نطالبه بإتقان الإجابة الصحيحة. كذلك يؤكد باولو فريري أن التعليم الحقيقي لا يقوم على "تعبئة العقول بالمعلومات"، بل على تحرير الإنسان وتنمية وعيه وقدرته على التفكير النقدي. فالطالب ليس وعاءً نملؤه، بل إنسانٌ يحمل طاقات وأسئلة وأحلامًا.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يقود مراجعتنا التربوية بجرأة ومسؤولية هل نكتفي بصناعة طلابٍ ناجحين على الورق؟ أم نطمح إلى بناء إنسانٍ قادرٍ على أن يحيا ويتطوّر ويصنع أثرًا؟



















