استشارية نفسية أسرية تكتب: حب الوطن يبدأ من البيت..

حنين البطوش
استشارية نفسية أسرية وتربوية
علموا أبناءكم حبّ الأردن، ازرعوا فيهم هذا الانتماء الصادق الذي لا يتزعزع، فنحن نحبّ هذا الوطن كما لا يحبّه أحد ، ونحميه بالوعي قبل الشعارات، وبالقيم قبل الانفعال، لأن المرحلة القادمة لا تحتمل سطحية ولا جحودًا، بل تحتاج جيلًا يعرف قيمة الوطن، ويحفظ جميله.
التعبير عن الرأي مسؤولية، والصوت العالي مسموع…
لكن الإساءة لولاد بلدنا اللي واقفين يحمونا؟ مستفز، ومرفوض، ومُستنكَر تمامًا، فالهتاف لا يبرّر التجاوز، والإساءة لرجال الأمن ليست بطولة ولا رجولة، فالحرية لا تُقاس بعلو الصوت ولا تُترجم بالإهانة، والجرأة لا تعني غياب الاحترام، الوطن فوق كل اعتبار، ورجال الأمن هم درعه الحصين، هم أهلنا ومنّا، وكلنا صفٌ واحد مع الوطن .
وهنا يبدأ دور الأسرة الحقيقي، فالبيت هو المدرسة الأولى التي يتعلّم فيها الطفل كيف يتحدث، كيف يعبّر، وكيف يقدّر نفسه والآخرين، ويقع على عاتق الأهل ترسيخ قيم الاحترام، والانتماء، وتحمل المسؤولية منذ الصغر، فعندما يُربّى الطفل على هذه القيم داخل بيته، يكبر ليكون فردًا يحترم القانون، ويقدّر مؤسسات وطنه، ويعتز بأبناء مجتمعه.
ليس المطلوب من الأسرة أن تُقيّد التعبير، بل أن تُهذّبه وتوجّهه، فالتعبير مطلوب، لكن الأهم أن يكون بوعيٍ ومسؤولية، وأن يتعلّم الأبناء منذ الصغر الفرق بين الشجاعة والتجاوز، ومتى يُعترض، وكيف، وبأي لغة، فالطفل الذي ينشأ في بيتٍ يرى فيه والديه ينتقدان بأدب، ويتحدثان عن الوطن بمحبة، لن يكبر على الاساءة، لأنه تعلّم أن للكلمة وزنًا، وأن لها أثرًا لا يُستهان به، ومن يتربّى على الاحترام داخل بيته، يحمل هذا الاحترام معه إلى الشارع، فلا يمكن أن يسيء، ولا أن يتجاوز، لأنه ببساطة تعلّم أن القيم لا تتجزأ.
واليوم نرى المثال العملي لحب الوطن في حياة رسول الله ﷺ، حين خرج من مكة مهاجرًا إلى المدينة، منفّذًا أمر الله، لكنه وقف على تلّة يودّع وطنه قائلاً: “مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ”.
فرغم حبه للمدينة التي احتضنته ونشر فيها دعوة الإسلام، ظل قلبه معلقًا بمكة، مؤكدًا أن الانتماء للوطن شعور راسخ، لا ينكسر رغم الظروف ولا يفقد معناه بالإبعاد أو الغربة.
فعلموا أولادكم أن من أسمى ما يُرسّخ قيمة حبّ الوطن في الوجدان، أن الشريعة الإسلامية لم تغفل هذا المعنى، بل عزّزته وربطته بأرفع المقامات، فقد تعدّدت صور الشهادة في الإسلام، ولم تقتصر على ساحة القتال، بل شملت كل من يدافع عن حقٍ أصيل من حقوقه.
قال ﷺ : “من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد”.
إن هذا التوسّع في مفهوم الشهادة يحمل دلالة عميقة، مفادها أن الدفاع عن النفس، والدين، والأهل، والحقوق، هو دفاع عن كرامة الإنسان وانتمائه، بل إن الغربة عن الأهل والوطن، وما تحمله من ألم وحنين، ترتقي بصاحبها إلى منزلة عظيمة عند الله، في إشارة بليغة إلى مكانة الوطن في نفس الإنسان.
فأيّ تكريم أعظم من أن يُربط حبّ الوطن، والصبر على فراقه أو الدفاع عنه، بأجرٍ عظيم ومكانة رفيعة؟ إنها رسالة واضحة تُعزّز فينا معنى الانتماء، وتُذكّرنا أن حبّ الأوطان ليس مجرد شعور… بل قيمة راسخة يُثاب عليها الإنسان ويُكرّم من أجلها.
لذلك انتبهوا لكلماتكم، فأسلوب حديث الأهل أمام أبنائهم لا يمرّ مرورًا عابرًا، بل يُشكّل وعيهم ويصوغ طريقتهم في التعبير، علّموا أبناءكم أن رجل الأمن ليس خصمًا، بل هو أخٌ وأبٌ وابنٌ لهذا الوطن، يقف لحمايته لا لمواجهته، وشجّعوهم على التعبير عن آرائهم، لكن درّبوهم أن تكون كلماتهم نابعة من وعي، ومغلفة بالاحترام، فالوطن لا يحتاج إلى ضجيج، بل إلى صوت واعٍ، لأن كل كلمة ينطق بها طفل أو شاب، تبدأ من بيت ومن تربية تصنع الفرق.
حرّك صوتك… صوتك مهم… بس خليه محترم ولا تجرّح، لأنه كلنا بنخسر وقت الفتنة، ونشدّد على يد الجهات الأمنية باستدعاء ومحاسبة كل من يتطاول أو يسيء لرموز الدولة وأجهزتها.



















