+
أأ
-

سامح المحاريق : أسطورة سردية السرديات

{title}
بلكي الإخباري

انتقدت كثيرًا حالة الانكباب العالم على مفهوم السردية، ووضعت جملة من التحفظات تجاه تحويلها إلى مشروع فكري على مستوى الدولة، ودخلت في حوارات مرهقة حتى أنني تركتها في فترة، وكنت كتبت مقالًا مطولًا وطلب مني أحد أصدقائي في النخبة الأردنية أن أؤجله لأنني نفسي كنت صاحب مقولة "مش وقته" في مقال نشرته صحيفة الرأي ومواقع إلكترونية في شباط 2024، ولم يتغير شيء على الدوافع التي أخرجته في ذلك الوقت، بل وربما أصبحت أكثر حضورًا وثقلًا خلال العامين الأخيرين.

في اليومين الأخيرين كان الأستاذ حازم صاغية من لبنان ينشر على صفحته في الفيسبوك منتقدًا هوس السردية، ويقول أن اللغة العربية عاشت لمئات السنين من دون "سردية" و"خطاب" و"تفكيك" ويمكننا أن نتدبر أمرنا بقدر أقل من هذه المصطلحات ويضيف بين قوسين (المهمة بالتأكيد).

ويكتب الأستاذ عامر فردان من الكويت متهكمًا: لا يكون تطلع من البيت وناسي (السردية) مالتك،، دير بالك.

باتت السردية شاغلًا عربيًا جمعيًا، وورشة مراجعة السرديات مفتوحة على مصراعيها في كل مكان، من مصر حيث يتربص الكيمتيون المتعصبون لخصوصية الهوية المصرية بأي مناقشة لتاريخ مصر ورؤيتها المستقبلية، إلى الخليج الذي يشهد موسمًا من التحولات والمراجعات على خلفية لحظات انكشاف متعددة ومتتابعة حملتها الفترة الماضية.

بين ذلك كله، يبدو أن الأردن كان ينشغل بالسردية قبل أن أي بلد آخر في الإقليم، فما يراه الأردن من واجهته العريضة والواسعة لا يلمحه الآخرون من زواياهم الضيقة، وأعني مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي نعيش واحدًا من فصوله اليوم، والحكاية بدأت حتى قبل 11 سبتمبر 2001، والأردن القريب ومن خلال مؤسسة العرش بصورة مباشرة من الأوساط الفكرية الأمريكية لم تكن تنقصه لا الخبرة ولا الحساسية لقراءة الملامح الرئيسية للمرحلة الجديدة.

إذا ذهبت إلى جبل القلعة ستجد طبقات من التاريخ تتمازج بطريقة تراكمية، من العمونيين إلى الرومان إلى الأمويين إلى المماليك إلى العثمانيين، وأخيرًا وجودنا نحن الذي يتبدى واضحًا في شعار المملكة الأردنية الهاشمية الذي يظهر في رأس تذكرة الدخول إلى تلك الحديقة النادرة من طبقات التاريخ وقصصه.

السردية الأردنية تظهر في طبقات لم تنته أي منها بشكل كامل، ولم تنجز حتى نهايتها في الوقت ذاته، وبعضها يتداخل مع بعضه فتبدأ سردية قبل أن تكتمل الأخرى أن يتجاوزها الزمن بالكامل.

الطبقة الأولى، سردية ما قبل التأسيس، والحيز الجغرافي المنسي من السلطنة العثمانية إلى الدرجة التي دفعته إلى التمرد.

تليها، سردية التأسيس والثورة حيث الأردنيون يبحثون عن سوريا الكبرى وتلتئم حدودهم ووجودهم وتتشكل مؤسساتهم.

بعدها، سردية المواجهة واغتصاب فلسطين من الاحتلال الصهيوني والأردن الجبهة المفتوحة وعاصمته هانوي العرب.

ثم، سردية الدولة والمؤسسات وبناء المعالم الأردنية الملموسة والمرئية من الجامعة إلى مؤسسة الإذاعة والتلفزيون إلى مطار الملكة علياء، وجميعها بقيمة مادية ورمزية كبيرة وعميقة.

وأخيرًا، سردية المواطنة التي نشأت لعامل ذاتي ويتفاعل مع خصوصية التحديات القائمة، وآخر هو عامل مقاومة في ظل السرديات الأخرى ذات الطبيعة القُطرية.

هذه السرديات تبدو اليوم بحاجة إلى الالتئام في سردية واضحة ومحددة، والاعتراض الذي أحمله لم يكن يومًا على الحاجة للسردية ولكن على طريقة التعامل مع السردية وكأنها ملف يناط بواحدة من لجان وزارة الثقافة أو أي من المؤسسات الرسمية.

خلال الفترة الماضية التي كان يجب أن نحضر خلالها مدخلات صناعة السردية وجدنا الوقت يدهمنا من غير أن نحقق الكثير، واصطدمنا بظروف أصعب لصناعة السردية في وسط وجود التواصل الاجتماعي و(دوامات) ما يظهر وكأنه معلومات ويتسلق في الوعي وكأنه حقائق.

كانت السردية تحتاج إلى المراجعات التاريخية وإعادة بنائها وفقًا لوعي المرحلة التي حدثت خلالها ومحدداتها، وصياغة التصورات التي كان يفترض أن تقوم على أعمال درامية ومناهج وأنشطة مدرسية، وأمور أخرى، فما الذي كان يحدث؟

تراجع كبير في المؤونة البحثية والعلمية وتأرجح في ملفات المناهج والأنشطة وغيبوبة في الإنتاج الفني والدرامي! وبدلًا من فيلم كبير يمكن أن يحمل (الهدف موقعي) ونحن نستطيع وتوجد أفلام مثل ذيب وكابتن أبو الرائد، تركنا أفلامًا مثل جن والحارة تقدم الأردن للعالم، ولست ضدها بالمناسبة، ولكن المريع هو التغيب للوجه الآخر من الحكاية، لذلك الوجه الذي نريده من أجل صناعة سردية، وبالمناسبة، وظفت مصر مسلسلًا مثل رأفت الهجان ليكون جزءًا من سرديتها الوطنية، وكانت المخابرات العامة المصرية تدعمه، مع أن نسبة الحقيقة فيه ربما تكون متواضعة، ولكنه كان أحد أدوات صناعة التصورات التي أصبحت جزءًا من السردية الشاملة وأنتجت سرديات فرعية.

لا تستهدف السردية أن تسترضي أحدًا، أو تجعله يستحوذ على حصة أكبر، أو تقدمه للنجومية، لأنها خط دفاع وجودي ومكون أساسي لمناعة المجتمع ككل، ومنظورًا لرؤيته لذاته وللعالم من حوله.

قبل أشهر تحدث الأمير الحسين عن السردية في محافظة الطفيلة، وبالمناسبة مجال دراسة الأمير هو التاريخ الدولي، ولكن يبدو أن الحديث يسحب إلى اللجان البيروقراطية وأعمالها وجداولها المطاطة والتراشق الذي يشبه الفكر لمجرد تزيينه بالمصطلحات والمفاهيم والأسماء الكبيرة، ويتحول المشهد إلى كعكة تصبح موضوعًا للتهافت بينما المقصود هو حالة من الحيوية والتواصل الذي يتم في بيئة حاضنة.

كثيرٌ من المجتهدين يطرحون أنفسهم، منهم الشاب الذي أحبه بكر الرقاد، ومدخله مهم ومثير، ولكنه ناقص، فالأصل أن الجغرافيا الأردنية وحصتها من مفهوم مثل عبقرية المكان كانت هي العوامل التي أنتجت النبطي وحضارته، والاستعادة يجب أن تكون ضمن البحث عن زاوية رؤيته للعالم وفلسفته تجاه موارده والتحديات التي تحاوطه.

من جديد، السردية ليست لجنة، ولا هي شطحة من نجوم إعلاميين وسياسيين، بل حالة جدل متصلة داخل حدود خطاب الدولة المتعلق بالكينونة والمستقبل والذي تختلف مدخلاته ورؤيته في كواليس السياسة العالمية وصراعاتها عن رؤية الفاعل المحلي، والوصلة بينهما هي في إعادة زيارة الخطاب.

لا يوجد ما يسمى بسردية كاملة وشاملة ومانعة أو سردية السرديات، ولكن توجد سردية تسكن الناس من خلال عملية بطيئة وذكية تشبه الإنغراس الذي يديره الأطباء وبذلك تتأتى الثمرة وتحضر لتصبح جزءًا من نسيج الوجود المادي والرمزي معًا