الخير المأجور

بقلم الدكتورة ريما الشهوان
مستشار وزير الأوقاف للشؤون الأسرية
في زمنٍ لم يعد فيه الخيرُ بريئًا كما كان، ولا الشرُّ فاضحًا كما ينبغي، تقف القيمُ على تخوم الالتباس، كأنها تبحث عن يقينٍ فقدته بين زحام المصالح وتقلّبات النوايا. لم يعد السؤال هل نفعل الخير؟ بل أصبح أيُّ خيرٍ هذا الذي نفعله؟ أهو نورٌ خالصٌ ينبعث من ضميرٍ حيّ، أم ظلٌّ مشوَّهٌ لفضيلةٍ أُفرغت من معناها؟ هنا، حيث تتوارى الحقائق خلف أقنعة اللطف، وتُقدَّم الانحرافات في أثواب المجاملة، ينهض مفهوم “الخير المأجور” كأحد أكثر المفاهيم إثارةً للقلق.. لا لأنه غامضٌ في ذاته، بل لأنه واضحٌ في صورته، مُلتبسٌ في جوهره. متى يكون الأجر امتدادًا للكرامة، ومتى يتحوّل إلى ثمنٍ لشراء الذمم؟ ومتى يظلّ العطاء طاهرًا، ومتى يتلوّث وهو في أبهى صوره؟
لقد أقرّ الإسلام مبدأ الجزاء، ولم يجعله قادحًا في جوهر الخير ما دام مرتكزه الحق ومآله العدل؛ بل ارتقى به ليكون بابًا من أبواب الإحسان المنظّم. يقول تعالى ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾، ويقول سبحانه ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾. إن العمل الصالح لا يفقد بريقه حين يُقرن بمقابلٍ مشروع، لأن النية هي البوصلة التي تضبط الاتجاه، كما قال النبي محمد بن عبد الله ﷺ «إنما الأعمال بالنيات». ومن هذا المنطلق، فإن الطبيب الذي يداوي، والمعلّم الذي يبدّد ظلمات الجهل، والموظف الذي يقضي حوائج الناس، إنما يتقاضون أجرًا هو.. في جوهره.. ضمانة لاستمرار العطاء، لا ثمنًا للفضيلة. فهم يُقيمون الحق، والحق لا يُباع، بل يُؤدّى.
غير أن الصورة تنقلب حين يتسلّل الأجر ليغدو أداةً للالتفاف على موازين العدالة. هنا لا نكون أمام “خيرٍ مأجور”، بل أمام رشوةٍ صريحة، استنكرها الوحي بلسانٍ قاطع ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، ووصف أهلها بقوله ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾. ولم يقف الأمر عند حدّ الوصف، بل جاء الزجر النبوي «لعن الله الراشي والمرتشي» ليقطع الطريق على كل محاولةٍ لتزيين هذا القبح أو إعادة تسميته.
وتبلغ المفارقة ذروتها حين تُستعار رموز الصفاء لتبرير الانحراف. فـ”فنجان القهوة” في الموروث العربي لم يكن مجرد طقسٍ اجتماعي، بل كان ميثاقًا معنويًا للصلح، وإعلانًا لصفاء القلوب، وارتقاءً فوق جراح الخلاف. كان شربه دلالةً على أن النفوس قد سمت، لا أن الحقوق قد بيعت. غير أن هذا الرمز ذاته يُنتزع اليوم من معناه، ليُستخدم أحيانًا غطاءً لتمرير ما لا يستقيم؛ فيُقدَّم لتليين إجراءٍ لا يجوز، أو لتقديم غير المستحق على حساب المستحق. وهنا يفقد الرمز نقاءه، ويتحوّل الكرم إلى فسادٍ ناعم يتسرّب بصمتٍ إلى جسد المجتمع. وقد حسم النبي ﷺ هذا الباب بقوله «هدايا العمال غلول»، ليضع حدًا فاصلاً بين الهدية والرشوة.. فالعبرة ليست في صورة العطاء، بل في علّته ومآله.. الهدية التي تأتي بعد حقٍ مستوفًى عرفانًا ومحبة طيبٌ على طيب، أما التي تسبق القرار لتوجيهه فهي خيانةٌ للأمانة مهما تلطف اسمها.
إن الخطر الأكبر لا يكمن في وقوع الرشوة، بل في تطبيعها.. حين تتحول من انحرافٍ مُستنكر إلى سلوكٍ مألوف يُمارس تحت عناوين المجاملة أو تيسير الأمور. عندها يختل الميزان الذي قامت عليه القيم، ويُفرَّغ العدل من مضمونه، رغم وضوح الأمر الإلهي ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾. فالعدل أصل، والإحسان فرع، ولا يُبنى الفرع على نقض الأصل.
وفي الخاتمة، لا يعود الحديث عن “الخير المأجور” مجرّد جدلٍ أخلاقي، بل مرآةٌ دقيقة تُعرّي خفايا النفس، وتكشف موقع الإنسان من ميزان الحق.. فإمّا أن يكون ممن يرفع القيم فوق مصالحه، أو ممن يبيع القيم حين تُعرض عليه بثمن. إن الخير الحقّ لا يُستعار له اسم، ولا يحتاج إلى تبرير، لأنه يُعرف بأثره لا بشكله، وبمآله لا بمظهره.
هناك، في عمق اللحظة التي لا يراك فيها أحد، حيث لا شاهد إلا ضميرك، ولا رقيب إلا الله، يُكتب المعنى الحقيقي لكل ما تفعل.. إما أن تكون يدك امتدادًا للعدل، أو ظلًا للانحراف.
وحين تُطفأ كل الأصوات، ولا يبقى إلا صدى الفعل في ميزان السماء، يتجلّى الفارق الحاسم..
فإمّا خيرٌ يُرفع به الإنسان لأنه أقام حقًا، ولو لم يُعرف اسمه..
وإمّا فعلٌ يُسقطه، لأنه زيّف الحق، ولو تزيّن بكل أسماء المعروف.



















