حزب الأمة؛ بين القانون والذاكرة

د.منذر الحوارات
أعلن حزب جبهة العمل الإسلامي تغيير اسمه إلى حزب الأمة، استجابة لقرار الهيئة المستقلة للانتخاب التي أمهلته ستين يومًا لتصحيح أوضاعه، وفك أي ارتباط بدلالات دينية أو طائفية، لكن هذا التحول يطرح سؤالًا أعمق من الاسم، هل يمكن أن يكون التغيير، رغم إكراهاته القانونية، مدخلًا لمراجعة العلاقة بين الحزب ومرجعيته من جهة، وبين الحزب والدولة من جهة أخرى؟ وهل يتحول الحزب من واجهة سياسية لجماعة الإخوان المسلمين التي تم حظرها، ذات المرجعية الأممية، إلى حزب وطني يعمل داخل الدولة وتحت سقفها؟ أم أن الاسم الجديد جاء ليوازن بين مقتضيات القانون وإرث الحزب؟
رغم أن جبهة العمل الإسلامي لم تكن تنظيمًا أمميًا يمارس السياسة خارج الدولة الأردنية، لكنها لم تكن حزبًا مقطوع الصلة بمرجعيته الإخوانية، لذلك تشكلت ككيان مزدوج، أردني في الممارسة، وإخواني في المرجعية، خاض الحزب خلافات مع الحكومات حول قضايا عديدة، لكنها بقيت غالبًا تحت سقف الدولة والقانون، وكانت الدولة تقبله ما دام يعارض ضمن حدودها، فيما قبل الحزب بالدولة ما دامت تتيح له مساحة سياسية واجتماعية، وهكذا لم تكن العلاقة حبًا كاملًا ولا قطيعة تامة، بل إدارة متبادلة للتوجس.
غير أن هذه المعادلة تغيّرت مع قرار حظر جماعة الإخوان المسلمين عام 2025، بعد اتهامات أمنية وأحكام قضائية، هنا وجد الحزب نفسه أمام مأزق حقيقي، كيف يبقى قانونيًا بينما مرجعيته التاريخية محظورة؟ في المقابل، دفعت الدولة باتجاه فصل الحزب عن التنظيم، أي نحو حزب سياسي أردني، لا واجهة لحركة محظورة ولا امتدادا لتنظيم عابر للحدود، وكان قانون الأحزاب، هو المدخل القانوني لإعادة ضبط العلاقة، والذي اعتبر اسم «العمل الإسلامي» غير محايد في نظر الهيئة، وهو ما جعل الاسم عبئًا قانونيًا وسياسيًا.
أما اختيار اسم «حزب الأمة» فليس بريئًا تمامًا، لكنه ليس انقلابًا على الوطنية الأردنية، فالاسم يرضي القانون بإزالة كلمة «إسلامي»، لكنه لا يقطع الصلة بالذاكرة والمخزون الرمزي للحزب، وفي هذا الغموض تكمن قوته، إذ إن مفهوم «الأمة» حمّال أوجه، قابل للتأويل وواسع الدلالة، بهذا المعنى، خرج الحزب من المخالفة القانونية دون أن يخرج من إرثه الفكري، لقد لبّى الحزب مقتضى القانون شكليًا ومؤسسيًا بتغيير الاسم وتعديل جزء من نظامه الداخلي، وهو إقرار مهم بالعمل تحت سقف الدولة ومؤسساتها.
أما المطالبة بالقطيعة الكاملة مع الماضي فليست ممكنة بسهولة، فالحزب خرج من رحم الحركة الإسلامية، وإذا تبرأ منها كليًا فقد جزءًا أساسيًا من هويته ومبرر وجوده، لكنه في المقابل، إذا تمسك بها كارتباط تنظيمي عابر للحدود، دخل في محظورات القانون ومواجهة الدولة، لذلك ليس المطلوب من الحزب أن ينتحر فكريًا، بل أن يتحول سياسيًا، ويمكنه، الاحتفاظ بقيمه المحافظة والإسلامية، ويترجمها إلى برنامج وطني أردني واضح، أما الضغط المبالغ فيه فيمكن أن يؤدي إلى إضعاف الحزب أو تفككه، وهذا لا يعني بالضرورة استقرارًا أكبر أو ديمقراطية أنضج، بل قد يدفع جزءًا من جمهوره إلى خيارات أكثر راديكالية، وأقل إيمانًا بالدولة.
من هنا، فإن وجود حزب إسلامي قانوني يعمل تحت سقف القانون، قد يكون أكثر أمانًا من تفككه وترك جزء من جمهوره عرضة للاستقطاب، فالمشكلة ليست في المرجعية الفكرية بحد ذاتها، بل في تحويلها إلى ولاء يتجاوز السياق المحلي، أما الهتافات التي رافقت المؤتمر، فتعكس الذاكرة العاطفية أكثر مما تعكس البرنامج السياسي، ويمكن أخذها كمؤشر، دون بناء حكم نهائي عليها، فالسؤال الحقيقي ليس هل سيحتفظ الحزب بمرجعيته الإسلامية، بل كيف سيستخدمها؟ هل سيبني خطابه على قضايا الداخل، أم سيبقى مشدودًا إلى قضايا عابرة للحدود؟ هذا هو الاختبار الفعلي، فإذا أصبح حزب الأمة حزبًا أردنيًا بمرجعية قيمية إسلامية، فسنكون أمام لحظة تطور إيجابية، أما إذا استمر كواجهة إخوانية لكن باسم جديد، فإن التصادم مع الحكومة ستكون خيارًا مستقبليًا أكيدًا.
لذلك، ينبغي قراءة تحول جبهة العمل الإسلامي إلى حزب الأمة باعتباره تسوية سياسية وقانونية فرضتها لحظة تحول في تفكير الدولة، والتي تريد أحزابًا وطنية بلا امتدادات تنظيمية أو سياسية عابرة للحدود، وفي المقابل، ليس مطلوبًا من الحزب أن يتخلى عن ذاكرته الفكرية، بل ألا تتحول هذه الذاكرة إلى ولاء فوق وطني، كما ليس من المطلوب دفع الحزب إلى الانتحار السياسي، بل أن يُختبر من خلال سلوكه وبرامجه والتزامه بالقانون، وإذا سارت الأمور كما ينبغي، فإننا أمام نقطة تحول جوهرية في منطق ومنطلق غالبية أحزاب الإسلام السياسي.


















