أ.د. محمد الفرجات يكتب : من الاحتفال إلى الإنجاز: أولويات الأردن في زمن التحديات

قبل أن نخوض بالمقال، فلا يزاودن علينا أحد مهما كان،،، فكلنا أردنيون ونحب الأردن وترابه الطهور وشعبه العظيم ومليكنا المفدى ونفديهم بدمائنا،،،
إلا أن إشغال المسؤولين بكثرة المناسبات والاحتفالات والمظاهر، والتي أصبحت مقياسا وإلزاما ليبقوا على كراسيهم بالعاصمة والمحافظات -حسب العرف- ، وليس الإنجاز هو الفيصل ';للأسف-، فإننا كدولة تعاني التحديات لن نستطيع مواجهتها.
أيها الأعزاء،،،
يمرّ الأردن اليوم بمرحلة تتطلب أعلى درجات الوعي الوطني والعمل الجاد، حيث لم تعد التحديات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية ملفات مؤجلة أو قابلة للمعالجة بالشعارات وحدها، بل أصبحت قضايا تمسّ حياة المواطن اليومية ومستقبل الأجيال القادمة بصورة مباشرة.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو الحاجة إلى مراجعة هادئة ومتزنة لأولوياتنا العامة وكيفية إدارة الوقت والجهد والموارد الوطنية.
لا أحد يختلف على أهمية المناسبات الوطنية والاجتماعية ودورها في تعزيز الروح المعنوية والانتماء والاعتزاز بالوطن ومؤسساته ومنجزاته، فهذه المناسبات تشكّل جزءًا من الذاكرة الجمعية والهوية الوطنية.
غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بموضوعية هو: هل أصبح حجم وتكرار بعض مظاهر الاحتفالات والمؤتمرات والفعاليات يتجاوز أحيانًا حدود التوازن المطلوب مع متطلبات العمل والإنجاز؟
يتولد لدى شريحة من المواطنين شعور بأن كثرة الفعاليات والاحتفالات واستنزاف الوقت الرسمي في التحضير لها أو المشاركة فيها قد يأتي أحيانًا على حساب ملفات أكثر إلحاحًا تمس حياة الناس بصورة مباشرة.
كما يشعر البعض بأن من لا يشارك أو لا يُظهر الحماس للاحتفال قد يُساء فهمه أو يُنظر إليه وكأن وطنيته أو ولاءه محل تساؤل، بينما الوطنية الحقيقية أوسع وأعمق من المظاهر، وهي تُقاس بالعمل والإخلاص والإنتاج وخدمة الوطن والدفاع عن مصالحه.
الأردن يواجه اليوم تحديات ثقيلة لا يمكن التقليل من شأنها.
فالشح المائي والعطش لم يعودا مجرد تحذيرات مستقبلية، بل واقعًا ضاغطًا في واحدة من أكثر دول العالم فقرًا بالمياه.
والمديونية العامة وما يرافقها من أعباء اقتصادية، وارتفاع أسعار الطاقة والمياه والغذاء والنقل، جميعها تضغط على الأسرة الأردنية وتحدّ من قدرتها على التكيف والنمو.
وفي الوقت ذاته، تبقى قضية تدني الرواتب واتساع رقعة الفقر والبطالة من أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، خصوصًا بين فئة الشباب الذين يمثلون الطاقة الحقيقية لأي مشروع وطني للمستقبل.
إن البطالة، حين تطول وتغيب أمامها الفرص، تتحول إلى تحدٍ مركب يتطلب استجابة عملية وسريعة ومبتكرة.
ومن هنا، يطرح تساؤل مشروع يتردد في المجالس والشارع العام: أين مساحة الاستماع للأفكار والمبادرات والحلول العملية؟ فالمواطن وصاحب الخبرة والباحث والمبتكر يريد أن يرى قنوات أكثر فاعلية للحوار والتفاعل وصنع القرار، ويرغب بأن يشعر أن الوقت الرسمي يُستثمر بصورة أكبر في المتابعة والتنفيذ والنتائج القابلة للقياس.
ليس المقصود التقليل من قيمة المؤتمرات أو الورشات أو المناسبات، فبعضها ضروري ومفيد عندما يرتبط بخطط واضحة ومخرجات محددة ومسؤوليات قابلة للمساءلة.
لكن التحدي يكمن في ألا تتحول هذه الأنشطة إلى غاية بحد ذاتها أو إلى بديل عن الإنجاز الميداني الذي ينتظره المواطن ويراه في تحسين الخدمات وخلق الفرص وتخفيف الأعباء.
لقد دخل العالم عصر التنافس الحقيقي بين الدول على أساس الكفاءة والإنتاج والابتكار وسرعة الإنجاز. ولم تعد الدول تُقاس بعدد احتفالاتها أو كثافة فعالياتها، بل بقدرتها على إدارة مواردها، والاستماع لعقول أبنائها، وتحويل الخطط إلى نتائج ملموسة يشعر بها الناس في حياتهم اليومية.
الأردن يمتلك رأس مال بشريًا متميزًا، وخبرات وطنية كبيرة، وإرثًا من الصمود والقدرة على تجاوز الصعاب.
وما يحتاجه اليوم ربما ليس مزيدًا من الضجيج حول الإنجاز، بل مزيدًا من الإنجاز نفسه؛ إنجاز يُعيد الثقة، ويعزز التنافسية، ويحفظ الاستقرار، ويمنح الأمل.
فمن أجل أن نتنافس ونستمر ونبقى، قد تكون المرحلة بحاجة إلى معادلة أكثر توازنًا: احتفالٌ بما يتحقق، لا انشغالٌ عن تحقيقه، وتقديرٌ للعمل الصامت المنتج بقدر تقدير المظاهر والفعاليات، لأن الوطن في النهاية يكبر بالإنجاز الذي يبقى أثره، لا بالمشهد الذي ينتهي بانتهاء المناسبة.


















