الجامعة الهاشمية في أيار.. جامعة بلا أسوار

إبراهيم العظامات
ليس سهلًا على أي جامعة أردنية رسمية كبيرة (بعدد طلبتها وتخصصاتها وأكاديمييها) أن تقنع المجتمع بأنها ما تزال قادرة على إنتاج الأثر الحقيقي، في زمنٍ تتآكل فيه المسافات بين المعرفة وسوق العمل، وتتغير فيه المهن بسرعة في عالم يتبدل كل يوم... ولو قلنا كل ساعة ما بالغنا.
لكن ما جرى في الجامعة الهاشمية خلال شهر أيار الحالي، يستحق التوقف عنده بوصفه محاولة جادة لإعادة تعريف دور الأكاديميات كصانعة للمعرفة ومحفزة على التفكير، دافعة إلى البحث والسؤال، ومشتبكة - لا مشتكية - مع التغيير وسرعته، طارحة تساؤلات المستقبل الثقيلة: ماذا نعلم، وكيف، ولماذا؟
بدأ الشهر برمزية سياسية وتنموية مهمة؛ تمثلت في زيارة جلالة الملك المفدى عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم إلى محافظة الزرقاء التي تضم قريباً من مليوني نسمة (نحو 15% من سكان الأردن)، ولقاء جلالته أبناء المحافظة في حرم الهاشمية، وما خرج به اللقاء من بشائر مشاريع تنموية كبرى من المدينة الصناعية الجديدة إلى إيصال جزء من الباص سريع التردد إلى الجامعة، وتطوير المنظومة الصحية والتعليمية والبيئية في المحافظة يعيد صياغة المشهد بالكامل.
قد تبدو هذه الملفات خدمية أو اقتصادية للوهلة الأولى، لكنها في الحقيقة تعيد صياغة موقع الجامعة داخل المشهد التنموي الأردني؛ فالجامعة التي تُربط بالنقل الحديث، وتجاور مدينة صناعية ناشئة (ذكية وخضراء)، لن تبقى معزولة عن الصناعة والاقتصاد وسوق العمل، وهنا تحديدًا تبدأ الفكرة الأهم: الجامعة الركن الأبرز في التنمية، وقاطرة التطوير والتحديث.
وباعتبار الجامعة قاطرة التطوير، نظمت الهاشمية خلال أيار فعاليات متعددة ومتنوعة نستطيع وصفها بالنوعية، إذ حاولت أن تفعل شيئاً مختلفاً: جامعة تنفذ رؤى التحديث الوطنية، وتفهم متطلبات السوق المحيط، وترتبط مع الصناعة الوطنية الواعدة، وتواكب التكنولوجيا المتسارعة، وتدرب الطلبة على المهارات، وترسخ مفاهيم ريادة لديهم.
وفي اللقاءات التي جمعت الجامعة مع غرفة صناعة الزرقاء والمجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا، برز خطاب مختلف عن الطرح التقليدي؛ إذ تحدث رئيس الجامعة الهاشمية الأستاذ الدكتور خالد الحياري عن العلاقة مع الصناعة الوطنية ضمن مفهوم "جامعة بلا أسوار" وهي الجامعة التي تخرج من قاعاتها إلى المصانع والسوق والاقتصاد الحقيقي، واضعاً معايير واضحة لنجاح الشراكة تقوم على حل المشكلات، ورفع الكفاءة، وتطوير المنتجات، والتعاون في التدريب والتشغيل، وتعزيز البحث العلمي التطبيقي.
كما تحدث بلغة واقعية عن متابعته للصناعات الأردنية وما وصلت إليه من جودة وتطور، مؤكداً أن الصناعة الوطنية تمتلك الكثير من عناصر النجاح، لكنها تحتاج إلى مزيد من الثقة بالأكاديميا، والاستفادة من البحوث العلمية لتحويل المعرفة إلى قيمة مضافة وإنتاج أكثر تنافسية.
هذا الطرح يبدو ضروريًا الآن؛ لأن واحدة من أكبر مشكلات الجامعات أنها عاشت طويلًا داخل قاعاتها، بينما كانت الأسواق والتكنولوجيا تتغير خارج أسوارها بسرعة هائلة.
ولهذا لم يكن غريبًا أن يتحول شهر أيار في الجامعة إلى مساحة كثيفة من الأيام العلمية والوظيفية والبحثية التطبيقية وبناء الشراكات المؤسسية التي حاولت أن تربط المعرفة بالتطبيق.
وتوزعت هذه الرؤية على مختلف الكليات؛ ففي اليوم العلمي لكلية الصيدلة مثلًا، لم يعد النقاش محصورًا في الجانب الأكاديمي البحت على ضرورته، بل امتد إلى التشريعات المهنية، ودور المجلس الطبي الأردني، وبرامج الإقامة السريرية للصيادلة. أي أن الجامعة بدأت تدخل في السؤال الأصعب: كيف نضمن أن الخريج يمتلك "الكفايات" (Competence)وهي الكلمة الجامعة للمعارف والمهارات والاتجاهات؛ ليكون قادراً على العمل ضمن نظام صحي متغير ومعقد ومتطور؟
وفي كلية الآداب، تم تكريم الطلبة والأساتذة الذين أجادوا في البحث العلمي والإبداع الأدبي، وقدموا رسائل الماجستير والدكتوراه المميزة، فثمة رسالة ضمنية هنا تقول إن البحث العلمي الجاد والإبداع في الإنسانيات ما يزال يمتلك قيمته، وأن المعرفة العميقة أضحت أكثر ضرورة رغم صخب المحتوى السريع والتقنيات الحديثة.
حتى الفعاليات الرياضية لم تكن معزولة عن الفكرة العامة للشهر؛ ففي اليوم الرياضي تم التأكيد عل أهمية فتح الجامعة أبوابها أمام الشركاء والخبراء لتدريب الطلبة وتأهيلهم عمليًا، والأمر ذاته ظهر في فعاليات الفيزياء والكيمياء، فالعلوم الأساسية التي ينظر إليها البعض باعتبارها تخصصات "تقليدية" عادت الجامعة لتؤكد أنها ما تزال حجر الأساس في أي تقدم علمي أو صناعي أو تكنولوجي؛ فلا ذكاء اصطناعي بلا رياضيات، ولا صناعة دوائية بلا كيمياء، ولا تطور تقني بلا فيزياء.
وأضحت نتائج مبادرة إطلاق أول حاضنة أعمال في الجامعة التي أطلقت منتصف نيسان الماضي تشرع في الظهور لأنها تعبّر عن تحول فكري مرغوب؛ فالجامعة هنا لا تنتظر من الطالب أن يتخرج ثم يبدأ بفهم السوق، بل تحاول إدخاله مبكرًا إلى عالم الريادة والمخاطرة والتفكير الاقتصادي، فليس كل مشروع سينجح ويؤسس شركة، لكن القيمة تكمن في تدريب الطلبة على المبادرة لا التلقي، وأن يعرفوا كيف يفكرون بالسوق، ويحللون الحاجة، ويقدّمون الحلول، وكيف يفشلون ويحاولون من جديد، فهذه الثقافة تحديدًا ما يحتاجه التعليم في الوقت الحالي.
ولهذا كان حديث رئيس الجامعة عن ضرورة تغيير نمط التعليم ورفع جاهزية الطلبة لسوق العمل حديثًا واقعيًا إلى حد بعيد؛ فصاحب العمل لا يسأل حالياً: ماذا درست؟ وكم معدلك؟ (على أهمية التفوق)، إنما يسأل: ماذا تستطيع أن تعمل؟ وبأي مستوى؟
وفي معرض مشاريع التخرج الهندسية، قدم طلبة "هندسة الهاشمية" خمسين مشروعًا كانت تمارين فعلية في التصميم والتنفيذ الهندسي المتقن، في محاولة أخرى لنقل مهمة الطالب من "حل أسئلة" إلى "تقديم حل".
وفي كليتي العلوم الطبية التطبيقية والتمريض، حضرت الأسئلة المهنية والعلمية المرتبطة بمستقبل القطاع الصحي ودور الخريجين في الاستعداد للقادم.
بينما بدت كلية الأمير الحسين بن عبدالله الثاني لتكنولوجيا المعلومات وكأنها تقدم صورة مصغرة عن الآتي في الذكاء الاصطناعي، والتطبيقات الرقمية، والريادة التقنية، بحضور رؤساء الجامعات الأردنية وشركات التكنولوجيا، وعقد محاضرة للدكتور عدنان بدران، جُلها كانت تقول شيئًا واحدًا: إن الاقتصاد سيكون رقميًا، وعلى الجامعات أن تتهيأ مبكرًا للمنافسة.
وجاء "اليوم الوظيفي" الذي تعقده سنوياً عمادة شؤون الطلبة بحرفية وإتقان ليقدم صورة عملية عن الارتباط مع سوق العمل؛ حيث دخلت نحو ستين شركة ومؤسسة إلى الحرم الجامعي لعرض فرص تدريب وتأهيل وتشغيل فعلية في محاولة لاختصار سنوات من الانتظار بعد التخرج.
وفي أسبوع "مهارات المستقبل والذكاء الاصطناعي" الذي يشرف عليه مركز الإعداد لسوق العمل في الجامعة، بدا الطلبة أكثر حضورًا وثقة في عرض المشاريع الرقمية بعد انخراطهم في التدريب المكثف، وحصول المشاريع الفائزة على التمويل من القطاع الخاص، وكلها مؤشرات على أن الطلبة يمتلكون قدرة حقيقية على الإبداع إذا وُضعت أمامهم الفرص المناسبة.
كما عززت النسخة الجديدة من مبادرة "شيّك على حالك" مفاهيم التوعية الصحية للمجتمع الجامعي، حيث مارس الطلبة التوعية والفحص والإرشاد والتشخيص كممارسين صحيين قبل التخرج، وهو جزء أصيل من التعليم الميداني.
وعلى الصعيد الأكاديمي العالمي، أُعلن في أيار عن حصول برنامج الدبلوم العالي لإعداد المعلمين في كلية العلوم التربوية على اعتماد CAEP العالمي، تأكيداً على دور الجامعة في ضمان جودة تعليم الجيل القادم من خلال معلم مؤهل تأهيلاً عالياً.
واستمراراً لحصد الجوائز الرفيعة، ظفرت 8 فرق طلابية بالمراكز الأولى والمتقدمة في مسابقات دولية وعربية ومحلية. وهنا تبدو العبارة التي قالها أحد الأساتذة الجامعيين ممن حصلوا بمعية طلبتهم على مجموعة جوائز دقيقة جدًا حين قال بالمحكية الأردنية: "الطلبة يحتاجون فقط إلى نكشة أي دفعة صغيرة"؛ فالشباب والشابات في الجامعة يمتلكون الطاقة والرغبة، لكنهم يحتاجون إلى من يمنحهم الثقة، ويسمح لهم بالمحاولة، ويدعمهم معنويًا وماديًا.
وفي المحصلة، تبرز أهمية هذه النشاطات في أنها تسهم في تفعيل دور الطالب الجامعي كـمحور ومرتكز لأي مؤسسة تعليم عالٍ، وتحديث العمل المؤسسي، وتمتين علاقة الطالب مع الخبراء والسوق كي لا يصطدم لاحقاً بالواقع.
لقد كان أيار شهراً اختبرت فيه "الهاشمية" قدرتها على التحول المدروس، فكان حراكاً متميزاً في جامعة رسمية كبيرة تضم ثلاثين ألف طالب، وما تزال تواجه شح التمويل الحكومي، والبيروقراطية القاسية، والتشريعات القديمة، وتغيرات السوق المفرطة، وضغط الأعداد الطلابية، وتسارع التكنولوجيا المتعاظمة؛ لكنها تثبت اليوم أن عليها مسؤولية الاختيار، وواجب القرار.



















