+
أأ
-

جمال عقل يكتب : الحكومة الأردنية .. الذهاب إلى التعديل أم التغيير.. ؟

{title}
بلكي الإخباري

 

 

يشهد المشهد السياسي الأردني في بعض الأحيان حالة من الجدل المستمر حول مسار الإصلاح الحكومي ، حيث يطرح السؤال التاريخي : هل الأجدى هو إجراء تعديلات وزارية محدودة أم المضي قدماً نحو تغيير هيكلي أعمق؟ هذا الصراع الداخلي ، الذي يتجلى في نقاشات أكاديمية وإعلامية وسياسية ، يعكس تباين الرؤى حول طبيعة المشكلات التي تواجه الحكومة وقدرة الحلول المقترحة على معالجتها بفعالية .

 إن فهم ديناميكيات هذا الصراع يتطلب الغوص في الأسباب الكامنة وراء كل خيار، وتقييم جدوى كل منهما في سياق التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمر بها الأردن.

ولطالما اعتمدت الحكومات الأردنية، كغيرها في العديد من الأنظمة البرلمانية، على آلية التعديل الوزاري كأداة رئيسية لإعادة ترتيب البيت الحكومي ، لذلك يُنظر إلى التعديل الوزاري على أنه عملية سريعة ومرنة نسبياً ، تهدف إلى ضخ دماء جديدة في المناصب الوزارية، أو تغيير الحقائب الوزارية لتتناسب مع الأولويات الراهنة، أو إقالة وزراء ثبت فشلهم أو تورطهم في قضايا تثير الرأي العام ، ويمكن للتعديل الوزاري أن يوفر شعوراً بالحيوية والتجديد ، ويمنح الحكومة فرصة لتصحيح مسارها دون الحاجة إلى تغيير شامل في بنيتها أو سياستها ، فعلى سبيل المثال، عندما تواجه الحكومة تحديات اقتصادية ملحة، قد يتم تعديل طاقمها الوزاري ليشمل خبراء اقتصاديين جدد أو لإعادة توزيع الأدوار بين الوزارات المعنية بالاقتصاد. وهذا النوع من التغيير يهدف إلى إظهار جدية الحكومة في التعامل مع الأزمات وتلبية مطالب الشارع ، وهو ما يمكن أن يساهم في استعادة الثقة الشعبية المؤقتة.

ومع ذلك، غالباً ما يواجه التعديل الوزاري انتقادات حادة باعتباره حلاً سطحياً لا يعالج جذور المشكلات ، و يرى المعارضون أن مجرد تغيير الوجوه الوزارية دون المساس بالسياسات المتبعة أو الهياكل الإدارية الراسخة ، لا يؤدي إلا إلى تغييرات شكلية ، فإذا كانت المشكلة تكمن في بنية النظام الاقتصادي نفسه ، أو في ثقافة بيروقراطية متجذرة ، فإن استبدال وزير بآخر لن يغير من الواقع شيئاً ، و قد يعود الوزير الجديد إلى اتباع نفس الأساليب أو مواجهة نفس العقبات الهيكلية ، هنا يصبح التعديل الوزاري مجرد تغيير في الساكن وليس في المسكون ، حسب التعبير الشائع، مما يجعل المواطنين يشعرون بالإحباط تجاه وعود التغيير التي لا تتحقق.

في المقابل، يمثل خيار التغيير مفهوماً أوسع وأكثر شمولية، ويتجاوز مجرد تبديل الأفراد ليشمل إعادة النظر في السياسات والاستراتيجيات ، وربما حتى في الهياكل التنظيمية للحكومة ،  وينطوي التغيير الحقيقي على تحليل معمق للمشكلات ، وتحديد الأسباب الجذرية، ومن ثم اقتراح حلول بنيوية ، وقد يتضمن ذلك إعادة هيكلة الوزارات ، أو تغيير نموذج التنمية الاقتصادية ، أو إدخال إصلاحات جذرية في الإدارة العامة، أو حتى تعديل الدستور أو القوانين الأساسية. ، هذا النهج وإن كان أكثر صعوبة وتعقيداً، إلا أنه يحمل في طياته وعداً بإحداث تحول حقيقي ودائم.

وعندما نتحدث عن التغيير، لنفكر في سيناريوهات أعمق ، على سبيل المثال ، إذا كانت مشكلة البطالة المتفاقمة ليست مجرد فشل لوزير العمل ، بل هي نتيجة لسياسات اقتصادية طويلة الأمد فشلت في خلق فرص عمل كافية، فإن الحل لا يكمن في تغيير وزير العمل، بل في إعادة النظر في الاستراتيجيات الوطنية للتنمية، وتشجيع الاستثمار في قطاعات جديدة، وتطوير التعليم الفني والمهني لمواكبة سوق العمل ، كذلك إذا كانت الشكاوى تتعلق بالفساد أو المحسوبية، فإن مجرد إقالة وزير قد لا يكفي إذا كان الأفراد الذين يسمحون  بالفساد لا يزالون في مواقعهم ، فيصبح التغيير المطلوب هو إصلاح القوانين ، وتعزيز الشفافية، وتمكين مؤسسات الرقابة.

إن الصراع بين خيار التعديل وخيار التغيير ينبع من عوامل متعددة ، أحد هذه العوامل هو الطبيعة الزمنية ، والتعديل الوزاري يمكن تحقيقه بسرعة نسبية ، مما يوفر للحكومة قدرة على الاستجابة السريعة للضغوط السياسية أو الشعبية. أما التغيير الشامل ، فهو عملية طويلة الأمد تتطلب تخطيطاً دقيقاً، وموارد كبيرة ، وقبولاً واسعاً من مختلف الأطراف.

و في سياق سياسي يتسم بعدم اليقين ، قد تفضل الحكومات الخيار الأسرع والأقل تعقيداً ، وهو التعديل الوزاري، حتى وإن كان تأثيره محدوداً.

عامل آخر هو الخوف من المجهول ، التغيير الهيكلي يحمل معه دائماً درجة من عدم اليقين ، وقد تؤدي الإصلاحات الجذرية إلى اضطرابات اجتماعية أو اقتصادية مؤقتة، أو قد تفشل في تحقيق النتائج المرجوة، مما يزيد من تعقيد الوضع ، في المقابل يبدو التعديل الوزاري خياراً أقل مخاطرة، حيث يحافظ على استقرار النظام العام مع إحداث بعض التعديلات.

من ناحية أخرى، قد يكون التعديل الوزاري مجرد ترقيع لمعالجة أعراض مشكلة عميقة، بينما التغيير هو محاولة لمعالجة المرض نفسه ، فإذا كانت المشكلات الهيكلية التي يعاني منها الأردن، مثل الدين العام المتزايد، وتحديات النمو الاقتصادي، وتزايد معدلات الفقر والبطالة، وعدم المساواة، تتطلب حلولاً جذرية، فإن التعديلات الوزارية المتكررة دون تغيير في السياسات الأساسية لن تكون كافية.

وما يميز النقاش في الأردن هو أن كلا الخيارين، التعديل والتغيير، غالباً ما يواجهان تحديات في التنفيذ ، فالتعديلات الوزارية قد تكون انتقائية، حيث يتم التركيز على وزراء معينين دون غيرهم، مما يثير تساؤلات حول المعايير المستخدمة ، كما أن الوزارات التي يتم تعديلها قد لا تمتلك الصلاحيات أو القدرات الكافية لإحداث فرق حقيقي.

 أما التغيير، فهو يواجه عقبات هائلة تتمثل في مقاومة أصحاب المصالح، وتعقيد الإجراءات البيروقراطية، وعدم توفر الإرادة السياسية الكافية لتنفيذ إصلاحات مؤلمة.

على سبيل المثال، شهدت الحكومات الأردنية المتعاقبة العديد من التعديلات الوزارية، وبعضها كان كبيراً ،  لكن في كثير من الأحيان، لم تكن هذه التعديلات كافية لإنهاء حالة عدم الرضا الشعبي بشأن الأداء الاقتصادي أو الخدمات العامة. هذا يشير إلى أن المشكلة قد تكون أعمق من مجرد تشكيلة الحكومة ، وتبقى الحاجة إلى تغيير حقيقي قد تكون ملحة، ولكن تحديد طبيعة هذا التغيير وكيفية تنفيذه يبقى التحدي الأكبر.

إذاً، هل يجب على الأردن أن يتجه نحو التعديل أم نحو التغيير؟ الإجابة ليست أحادية الجانب ، ربما يكون المسار الأمثل هو الجمع بين الأمرين. قد تكون هناك حاجة لتعديلات وزارية سريعة لمعالجة بعض القضايا الملحة أو لإقالة وزراء أثبتوا فشلهم، ولكن يجب أن ترافق هذه التعديلات خطوات جادة نحو تغييرات بنيوية أعمق ، على سبيل المثال يمكن تعديل وزارة الاقتصاد لتضم خبراء جدد، ولكن يجب أن يصاحب ذلك إعادة النظر في السياسات الضريبية، وسياسات الاستثمار، وتشجيع الصناعات المحلية.

إن صراع الذهاب إلى التعديل أم التغيير هو صراع بين الحلول السريعة والمؤقتة والحلول الجذرية والدائمة .

 وفي الأردن وكما في العديد من الدول التي تسعى للإصلاح، فإن التحدي يكمن في إيجاد التوازن الصحيح بين الاستجابة للضغوط الآنية وتحقيق تقدم ملموس على المدى الطويل ، وقد يكون التعديل الوزاري هو الخطوة الأولى، ولكنه لا ينبغي أن يكون الخطوة الأخيرة ، فالمستقبل يتطلب رؤية واضحة للإصلاح الشامل ، وإرادة سياسية قوية لتنفيذه ، وقدرة على تجاوز العقبات والتحديات ، لضمان بناء دولة قوية ومستقرة وقادرة على تلبية تطلعات مواطنيها.