حين تُحتكر الفرص… ماذا نقول لأبنائنا؟

اسماعيل عايد الحباشنه...…
لا يختلف اثنان على أن الشباب هم الثروة الحقيقية لأي وطن، وأن الاستثمار في طاقاتهم وقدراتهم هو الطريق الأقصر نحو مستقبل أكثر قوة واستقرارًا. ولهذا فإن العدالة في توزيع الفرص ليست قضية هامشية، بل ركيزة أساسية من ركائز بناء الدولة الحديثة التي تقوم على الكفاءة والمساواة وتكافؤ الفرص بين الجميع.
لكن ما يثير القلق، ويستحق الوقوف أمامه بصدق ومسؤولية، أن كثيرًا من الشباب المتميزين والمتفوقين علميًا يجدون أنفسهم خارج دائرة الفرص، رغم سنوات الاجتهاد والتعب والأمل الذي رافق مسيرتهم التعليمية. وفي المقابل، تتكرر مشاهد يعرفها الناس جيدًا؛ أسرٌ بأكملها تعمل في المكان ذاته، ومقاعد تتكرر أسماؤها كل عام وكأنها أصبحت حكرًا على فئات محددة، أو امتيازًا غير معلن لا يصل إليه إلا من امتلك النفوذ أو عرف الطريق الذي لا يعرفه الآخرون.
هنا لا نتحدث عن حالات فردية، بل عن شعور متزايد لدى كثير من الشباب بأن الفرصة لم تعد دائمًا مرتبطة بالكفاءة وحدها، وأن التفوق الدراسي والقدرة والإبداع قد لا تكون كافية للوصول كما يفترض أن يكون الحال.
السؤال الأصعب لا يوجه للمؤسسات، بل يوجهه الأبناء لآبائهم حين يقول أحدهم: اجتهدت، درست، تفوقت… فلماذا لم أحصل على فرصتي؟ عندها يقف الأهل عاجزين عن تقديم إجابة مقنعة، بينما تأتيهم إجابات الشارع القاسية: تحتاج واسطة، تحتاج صاحب قرار، تحتاج من يفتح لك الباب.
والمشكلة الحقيقية ليست فقط في ضياع فرصة عمل هنا أو مقعد هناك، بل في الرسالة الخطيرة التي تصل إلى الأجيال القادمة، حين يبدأ الشاب بالإيمان أن مستقبله لا تصنعه قدراته بقدر ما تصنعه العلاقات والامتيازات الخاصة.
إن حماية ثقة الشباب بوطنهم تبدأ من شعورهم أن الجميع يقف على المسافة نفسها أمام الفرصة، وأن العدالة ليست نصوصًا تُكتب أو شعارات تُردد، بل ممارسة يومية يراها الناس ويلمسون أثرها.
لا أحد يشكك في حرص مؤسسات الدولة على تحقيق الإنصاف، لكن من واجبنا جميعًا أن نراجع أي ممارسات قد تخلق شعورًا بالإقصاء أو التمييز، لأن خسارة الشباب المبدع أخطر من أي خسارة أخرى، ولأن الفرص التي تضيع من عمر الإنسان لا يمكن تعويضها بسهولة.
نحن لا نبحث عن امتيازات خاصة، بل عن حق طبيعي لكل شاب وشابة تعبوا واجتهدوا وانتظروا أن يجدوا مكانهم المستحق تحت شمس وطنهم.
فالأوطان لا تبنى حين يُفتح الباب للبعض فقط… بل تنهض حين يشعر الجميع أن العدالة تصل إليهم بالتساوي، وأن الكفاءة وحدها هي الطريق، لأن الوطن الذي ينصف أبناءه… يكسب مستقبلًا أكثر قوة وعدالة واستقرارًا.
انتخابات محافظة الكرك 2024



















