+
أأ
-

د. محمد العزة يكتب :- حكومات التحديث... الانجاز زمن لا المعجزات

{title}
بلكي الإخباري

 

 

في كتابه "الاقتصاد السياسي الأردني... بناء في رحم الأزمات"، يقدم رئيس الوزراء جعفر حسان في فصله الأول قراءة تاريخية لمسار الاقتصاد الأردني منذ تأسيس الدولة، مروراً بمرحلة البناء المتسارع بعد الاستقلال، وصولاً إلى تأثيرات المتغيرات الإقليمية والدولية التي أسهمت في ترسيخ حالة من الاتكالية، ولا سيما بعد حرب حزيران 1967 وما أعقبها خلال العقدين التاليين.

ولعلها من المرات القليلة التي يعبر فيها رئيس وزراء عن وجهة نظر صريحة في عدة لقاءات تلفزيونية ، قدم تشخيصا مباشرا وواقعيا لاختلالات الاقتصاد الأردني، ثم طرح تصورا لمعالجة أسبابها، و لم يكتفي  بوصف أعراضها،  وقد اتبع ذلك بحراك ميداني اعتبره كثيرون استهلالا طيبا لبداية جادة لتصويب أوضاع وتصحيح أخطاء تراكمت عبر سنوات من السياسات والقرارات الحكومية، مع الإقرار بأن الخطأ وارد في العمل العام ، وجل من لا يسهو ، غير أن السؤال الجوهري يبقى: ما هي هوية الفكر الاقتصادي السياسي الذي سيقود به جعفر حسان برنامج التحديث ؟ وما هي الآليات والأدوات التي ستترجم هذا التشخيص إلى نتائج ملموسة؟

الاعتقاد السائد أن كثيراً ممن تعاقبوا على مواقع المسؤولية كانوا يدركون طبيعة المشكلة، لكن قلة منهم امتلكت الجرأة للحديث عنها بصراحة أو طرح حلول عملية، فيما اكتفى آخرون بعبارات عامة أشبه بالالغاز و لغة الإشارة أو بتصريحات جاءت بعد مغادرة مواقعهم.

إن موقع رئيس الوزراء يحتاج إلى عقلية قائد أوركسترا؛ ينسق بين أعضاء فريق منسجم ، يوزع المهام و التوجيهات ، يستوعب تطلعات المواطنين، ويقود عملية الإصلاح برؤية واضحة، واستراتيجية محددة، وقرارات شجاعة، وبرنامج عمل معلن، وجدول زمني قابل للقياس ،  فالناس لا تنتظر المزيد من الندوات أو الورش أو المؤتمرات ، بل تنتظر الإنجاز.

ما نحتاجه اليوم هو المكاشفة والمصارحة، والاعتراف بأننا بحاجة لجراحة بأدوات حديثة؛ فقد تطورت أدواتها من المبضع و الشقوق الكبيرة إلى جراحة المنظار، لكن بقي المسمى و  الهدف واحد : العلاج والشفاء. وكذلك الإصلاح السياسي والإداري والاقتصادي، فالأدوات قد تتغير، أما الغاية فهي بناء دولة أكثر كفاءة وقدرة على مواجهة التحديات ، وفي زمن لا مكان فيه لانتظار المعجزات، تبقى الإرادة والإدارة الكفؤة هما مفتاح النجاح.

ومن المهم أن تدرك الفرق الحكومية أن الرأي العام لا يعارض إطلاق المشاريع الاقتصادية متى كانت ذات أثر حقيقي في تحسين مؤشرات الاقتصاد، وانعكس ذلك على حياة المواطنين. فالناس تحكم على النتائج لا على الشعارات.

وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا يتحول المسار الاقتصادي إلى مبرر لتقييد مسار التحديث السياسي، بل يجب أن يسيرا بالتوازي، يدعم كل منهما الآخر. فالاقتصاد القوي يعزز استقلال القرار السياسي، ويمنح الدولة مساحة أوسع لحماية مصالحها الوطنية، ولا سيما في ملفات السياسة الخارجية.

كما أن المرحلة تتطلب تضافر جهود السلطتين التنفيذية والتشريعية، والعمل على تنويع مصادر الاستثمار والتمويل، وعدم حصرها في اتجاه واحد. فالأردن بحاجة إلى سياسة استثمارية منفتحة ومتوازنة، تتجه شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً؛ نحو الصين وآسيا وروسيا وأمريكا اللاتينية، كما تتعاون مع أوروبا والولايات المتحدة، انطلاقاً من مبدأ ثابت: أن المصلحة الوطنية العليا للدولة الأردنية هي البوصلة التي يجب أن توجه جميع الخيارات والقرارات.

ختاما التحديث ليس مشروع حكومة، بل مشروع دولة ومجتمع، وأن نجاحه يقاس بما ينعكس على حياة المواطن وثقته بالمؤسسات.