النخب السياسية في الأردن: بين الكفاءة ومتطلبات الديمقراطية السياسية

الدكتورة اسمهان ماجد الطاهر
النخب السياسية موجودة في السلطة غالبا بوصفها نتاجًا طبيعيًا للتفوق العلمي أو المهني، غير أن الواقع في الأردن يكشف عن مسارات أكثر تعقيدًا في تشكّلها واستمرارها في القيام بدور فعال لتحقيق التنمية الشاملة.
ففي كثير من الحالات، لا تقوم النخبة فقط على معيار
الكفاءة، بل على شبكة من العلاقات الاجتماعية التي تسهم في إعادة إنتاج نفسها عبر الزمن.
وهذا لا يعني غياب الكفاءة، لكنه يعني أن الكفاءة ليست العامل الوحيد دائمًا في الوصول إلى المواقع السياسية والاقتصادية المهمة.
هذا التداخل بين الجدارة والعلاقات يخلق بيئة مركبة، يصعب فيها أحيانًا الفصل بين الإنجاز الفردي وبين السياق الذي سمح بظهور أو دعم بعض القيادات السياسية.
ومع مرور الوقت، تتشكل دوائر تأثير تصبح قادرة على الاستحواذ على الفرص، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن هناك مسارات فردية استطاعت أن تتجاوز هذه التعقيدات عبر التراكم العلمي والالتزام المهني والاستمرارية. وهو ما يؤكد أن النظام ليس مغلقًا بالكامل، بل مفتوح بدرجات متفاوتة.
المشكلة الأساسية ليست في وجود النخب، بل في مدى شفافية آليات تشكيلها، وقدرتها على التجدد، ومدى قدرة الحكومة على فتح المجال أمام كفاءات جديدة بعيدًا عن التكرار وإعادة إنتاج الدوائر ذاتها.
ويبقى السؤال الأهم: كيف يمكن بناء بيئات أكثر عدالة في توزيع الفرص، دون إغفال طبيعة الواقع الاجتماعي الذي تعمل فيه.
يشكل الحديث عن النخب السياسية في الأردن جزءًا من نقاش سياسي واجتماعي واسع يتعلق برؤية الدولة، والقوى المؤثرة على صناعة القرار، وقدرتها على تجديد نفسها في مواجهة تحديات داخلية وإقليمية متسارعة.
فالأمر لم يعد يدور حول وجود النخب من عدمه، وإنما حول الكيفية التي تتشكل بها، والمعايير التي تحكم صعودها، ومدى قدرتها على إدارة المشهد الوطني بكفاءة.
ينفرد الأردن بخصوصية اجتماعية وسياسية جعلت من البنية العشائرية أحد المكونات الأساسية للدولة الحديثة منذ تأسيسها.
وقد أسهمت العشائر تاريخيًا في تعزيز الاستقرار، وحفظ السلم المجتمعي، وترسيخ الانتماء الوطني، ولا يمكن اختزال دورها أمام التطور السياسي.
غير أن التحدي يظهر عندما تتحول الاعتبارات الاجتماعية أو شبكات العلاقات الشخصية إلى عامل مؤثر في الوصول إلى مواقع المسؤولية على حساب معايير الكفاءة والخبرة والإنجاز.
فالنخب، في أي مجتمع، لا تُنتجها الشهادات
الأكاديمية وحدها، ولا تصنعها العلاقات الاجتماعية وحدها، وإنما تنشأ من تفاعل معقد بين الكفاءة، والخبرة، والفرص المتاحة، والثقة التي تمنحها المؤسسات، إلا أن هذا التوازن يختل عندما تصبح بعض دوائر النفوذ أكثر قدرة على إعادة إنتاج نفسها، فتتكرر الوجوه ذاتها، وتتقلص فرص ظهور قيادات جديدة تمتلك رؤى مختلفة أو خبرات أكثر ملاءمة للمرحلة.
ولعل أحد أبرز الأسئلة التي يطرحها الرأي العام الأردني اليوم يتعلق بمدى قدرة بعض التعيينات في مواقع المسؤولية بالقيام بدور محوري يتناسب مع حجم التحديات التي تواجه الدولة اقتصاديا وسياسيا.
فثمة انطباع متزايد لدى الشعب بأن بعض المناصب لم تعد تعكس المكانة التي كانت تمثلها سابقًا، وأن معيار الكفاءة لم يعد حاضرًا بالوضوح الذي ينتظره المجتمع. وسواء كان هذا الانطباع دقيقًا أم لا، فإنه يكشف عن فجوة في الثقة تستحق التوقف عندها، لأن ثقة المواطنين بالمؤسسات لا تقل أهمية عن كفاءة تلك المؤسسات نفسها.
وفي السياق ذاته، كان من المتوقع أن تشكل الحياة الحزبية رافعة لإنتاج نخب سياسية جديدة، قادرة على تقديم برامج واقعية، وإعداد قيادات تمتلك الخبرة والقدرة على إدارة الملفات العامة.
غير أن التجربة الحزبية، حتى الآن، لم تحقق هذا الهدف بالقدر المأمول. فما زالت الأحزاب تعاني من تحديات تتعلق ببناء قواعدها التنظيمية، وتطوير كوادرها، وصياغة برامجها، وتحويل المنافسة السياسية إلى منافسة على الأفكار والحلول، لا على الأشخاص أو التحالفات المؤقتة.
ومع غياب التجديد الحقيقي للنخب، تتعزز المخاوف من استمرار شبكات المصالح في التأثير على عملية صنع القرار. وفي ظل وجود ممارسات فساد أو محسوبية واستغلال للنفوذ، في حقيقة الأمر مهما اختلفت التقديرات بشأن حجم هذه الظواهر، فإن مجرد استمرار هذا التصور لدى المواطنين يمثل تحديًا للحكومة ولمؤسساتها، لأن مكافحة الفساد لا تقتصر على ملاحقة المخالفات، بل تشمل أيضًا بناء منظومة تعزز الثقة، وتغلق أبواب الشبهات، وتضمن تكافؤ الفرص.
إن الحكومة الأردنية اليوم تواجه ظروفًا اقتصادية وسياسية بالغة التعقيد، وهو ما يجعل الحاجة إلى نخب سياسية وإدارية عالية الكفاءة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فإدارة هذه المرحلة تتطلب مسؤولين يمتلكون الخبرة، والقدرة على اتخاذ القرار، إضافة إلى فهم عميق ودقيق لطبيعة التحولات الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب امتلاك المصداقية والثقة العامة.
ولذلك، فإن إصلاح مسار إنتاج النخب لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مطلبًا سياسيًا فحسب، بل ضرورة وطنية ترتبط بالقدرة على مواجهة المستقبل. ويبدأ ذلك من ترسيخ معايير واضحة وشفافة في التعيين والترقية، بحيث تكون الكفاءة والإنجاز والنزاهة هي الأساس، مع إخضاع الأداء للتقييم المستمر وربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما أن تطوير الحياة الحزبية يحتاج إلى استثمار حقيقي في بناء القيادات، وتأهيلها سياسيًا وإداريًا، ومنحها فرصًا فعلية للمشاركة في صنع القرار، بعيدًا عن الاكتفاء بالشعارات أو التمثيل الشكلي. فالأحزاب التي لا تنتج قيادات قادرة على الوصول للسلطة تفقد تدريجيًا مبرر وجودها بوصفها إحدى أدوات العمل الديمقراطي.
وفي الوقت نفسه، ينبغي تعزيز استقلالية المؤسسات الرقابية، وتوسيع نطاق الشفافية في التعيينات، وضبط الإنفاق العام، ونشر معايير الاختيار بوضوح، بما يرسخ مبدأ تكافؤ الفرص والحد من تأثير العلاقات الشخصية أو الاعتبارات غير الموضوعية.
الأردن يمتلك رصيدًا كبيرًا من الكفاءات العلمية والمهنية داخل الوطن وخارجه، كما يمتلك مجتمعًا يتميز بالوعي والانتماء والاستقرار. والتحدي الحقيقي ليس في نقص الكفاءات، وإنما في بناء منظومة تستطيع اكتشاف هذه الكفاءات، ومنحها الفرصة، وحمايتها من الإقصاء أو التهميش، لتكون جزءًا من عملية صنع القرار.
إن الاستمرار في إعادة إنتاج النخب وفق معايير لا تحظى بثقة المجتمع، يهدد بإضعاف رأس المال الأهم وهو الثقة بين المواطن والحكومة.
a.Altaher@meu.edu.jo



















