+
أأ
-

تعزيز التواصل مع الأشخاص الصم خطوة نحو مجتمع أكثر شمولًا

{title}
بلكي الإخباري

تعزز لغةُ الإشارة التواصل مع الأشخاص الصم، وتسهم في بناء مجتمع أكثر شمولًا، إذ لم يعد دورها يقتصر على تمكينهم من التواصل، بل أصبح أداةً لدعم مفاهيم الدمج والمشاركة المتكافئة، ما دفع مبادرات ومؤسسات غير ربحية إلى تطوير برامج تدريبية تستهدف الأشخاص الصم والناطقين لإزالة الحواجز التواصلية.

وفي هذا المجال، برزت شركة "الرواية" كشركة أردنية غير ربحية أسسها مجموعة من الشباب الصم والناطقين، ويقودها أحد مؤسسيها، الشاب هاشم قلعجي وهو شاب أصم ناطق يعتمد على قراءة الشفاه في التواصل، بهدف تغيير الصورة النمطية السائدة حول الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية، والانتقال من مفهوم الرعاية إلى التمكين، من خلال التدريب وبناء القدرات وتعزيز المشاركة الفاعلة في المجتمع وسوق العمل.

وقال الشاب قلعجي، لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، إن الفكرة نبعت من الحاجة إلى إيجاد بيئة دامجة تجمع الصم والناطقين في فضاء واحد، وتمكّن الطرفين من التواصل وفهم بعضهما بعضاً دون حواجز، مضيفاً أن ثقافة مجتمع الصم تقوم على لغة الإشارة والتواصل البصري وحركة الشفاه والجسد،وأن هدف "الرواية" لا يقتصر على تعليم الأشخاص الصم، بل يمتد إلى تحقيق "الدمج العكسي" من خلال تدريب الأشخاص الناطقين على لغة الإشارة، بما يسهم في بناء مجتمع أكثر شمولاً.

 

وأشار إلى أن الشركة تعمل من خلال بيئة تعليمية مصممة بما يراعي متطلبات التواصل البصري، على تقديم برامج تدريبية ومناهج تجمع بين تعليم لغة الإشارة وتنمية المهارات الحياتية والعملية، بما يتيح للأشخاص الصم فرصاً لإبراز كفاءاتهم وقدراتهم في مختلف القطاعات.

وبيّن قلعجي، أن البرامج تشمل ورشاً توعوية مجانية في مجالات كتابة السيرة الذاتية، والذكاء الاصطناعي، وفنون التصوير، إلى جانب تنظيم زيارات ميدانية لعدد من الشركات والمصانع، موضحاً أنه ولضمان استدامة عملها كمؤسسة غير ربحية، تقدم الشركة دورات تدريبية مكثفة تمتد لثلاثة أشهر برسوم رمزية لتغطية التكاليف التشغيلية، مع توفير خيارات تقسيط ميسرة تراعي ظروف المتدربين.

وعن طموحات الشركة وخططها المستقبلية، أوضح أن "الرواية" بدأت تقديم دورات تدريبية متخصصة للأشخاص الصم في المملكة العربية السعودية، بالتوازي مع خطة للتوسع في مختلف المحافظات الأردنية،كما أن الشركة تسعى إلى توسيع نطاق شراكاتها مع المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، لضمان استدامة برامجها التدريبية، وتعزيز بيئات عمل أكثر شمولاً، من خلال تدريب كوادر المؤسسات وموظفي الموارد البشرية على المهارات الأساسية للغة الإشارة، بما يسهم في تسهيل التواصل مع الأشخاص الصم وإتاحة الفرصة لهم لإبراز قدراتهم ومؤهلاتهم.

وأكد قلعجي، أن الشركة، رغم التحديات المتعلقة بالتمويل ونشر الوعي بلغة الإشارة على نطاق أوسع، تواصل العمل على توسيع برامجها وشراكاتها، انطلاقاً من إيمانها بأن إزالة الحواجز التواصلية تمثل خطوة أساسية نحو مجتمع أكثر شمولاً، يتيح للأشخاص الصم المشاركة الكاملة في مختلف مناحي الحياة.

من جهته، قال الشاب دانيال بينو أحد مؤسسي "الرواية " والذي اكتسب لغة الإشارة بفضل شركائه الذين دفعوه إلى تعلم اللغة على الرغم من أنه من الناطقين، إن تعلم لغة الإشارة لم يكن بالصعوبة التي كان يتوقعها، بل وجدها لغة سهلة وممتعة، ساعدته على تكوين صداقات مع أشخاص صم والتعرف إلى أفكارهم ومواهبهم عن قرب، مؤكداً أن حاجز التواصل يمكن تجاوزه متى توفرت الرغبة في التعلم والانفتاح على الآخرين.

 

وأضاف، أن تعلم لغة الإشارة لا ينبغي أن يقتصر على الأشخاص الصم، بل يشكل مهارة مهمة للناطقين أيضاً، شأنها شأن أي لغة أخرى، لأنها تفتح أبواب التواصل مع شريحة واسعة من المجتمع، وتعزز قيم الشمول والاندماج وتكافؤ الفرص.

ووجّه بينو رسالة إلى المجتمع، دعا فيها إلى منح الأشخاص الصم فرصة حقيقية لإبراز قدراتهم، وعدم النظر إلى الإعاقة السمعية بوصفها حاجزاً، مبيناً أن التعرف إلى ثقافة الصم والتواصل معهم يثري الخبرات الإنسانية ويؤسس لعلاقات قائمة على الفهم والاحترام المتبادل، لا على الصور النمطية.

من جانبه، قال الشاب محمد مكناي، وهو أيضاً شريك مؤسس في شركة "الرواية"، ومدرب لغة إشارة من الأشخاص الصم، إن الشركة انطلقت من إدراك التحديات التعليمية والمهارية التي يواجهها كثير من الأشخاص الصم، وفي مقدمتها ضعف مهارات القراءة والكتابة، وصعوبة تعلم اللغتين العربية والإنجليزية، إلى جانب محدودية البرامج التدريبية المتخصصة التي تراعي احتياجاتهم.

وأضاف لـ(بترا)، أن "الرواية" تعمل على توفير بيئة تدريبية دامجة تساعد الأشخاص الصم على تطوير مهاراتهم، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، واكتساب مهارات حياتية ومهنية ترفع جاهزيتهم للتعليم والعمل والمشاركة الفاعلة في المجتمع.

وأوضح، أن الشركة تقدم برامج تدريبية متنوعة تشمل تعليم لغة الإشارة الأردنية، واللغتين العربية والإنجليزية، إلى جانب دورات في الذكاء الاصطناعي، ومهارات الحاسوب، والتطوير الشخصي، فضلاً عن برامج في المهارات المهنية والثقافية والفنية، بما يلبي احتياجات الأشخاص الصم في مختلف مراحل حياتهم.

وأكد مكناي، أن تمكين الأشخاص الصم يبدأ بتوفير فرص تدريب نوعية تراعي متطلباتهم، مشيراً إلى أن الاستثمار في قدراتهم لا يسهم في تطوير مهاراتهم الفردية فحسب، بل يعزز بناء مجتمع أكثر شمولاً وعدالة، يقوم على تكافؤ الفرص والمشاركة الفاعلة للجميع.

وتبرز تجربة "الرواية" أهمية المبادرات المجتمعية التي يقودها الشباب الأردني في تقديم حلول مبتكرة لتحديات مجتمعية حقيقية، إذ تسهم في تعزيز ثقافة الدمج، وتوسيع فرص المشاركة، وبناء جسور تواصل أكثر فاعلية بين الأشخاص الصم والناطقين، بما يعكس دور الشباب كشركاء في التنمية وصناعة التغيير.