استطلاع: غالبية فلسطينية تطالب برحيل المناضل محمود عباس.. ومروان البرغوثي بديلا

رام الله: تكشف نتائج أحدث استطلاع للرأي العام الفلسطيني عن أزمة ثقة واسعة لا تقتصر على حركة أو قيادة بعينها، بل تمتد إلى مجمل النظام السياسي الفلسطيني، في ظل تراجع ملحوظ في شعبية حركة حماس، وعدم قدرة حركة فتح على الاستفادة من هذا التراجع، وتصاعد النظرة السلبية إلى أداء السلطة الفلسطينية، مقابل بروز مروان البرغوثي بوصفه المرشح الرئاسي الأكثر شعبية بفارق كبير عن منافسيه.
وبحسب استطلاع الرأي العام رقم 97 الصادر عن المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية (PSR)، الذي أُجري في الضفة الغربية وقطاع غزة بين 5 و8 أغسطس/آب 2026، فإن المشهد الفلسطيني بعد حرب غزة يتسم بتراجع الثقة بالقيادات القائمة، وارتفاع منسوب عدم اليقين بشأن المستقبل السياسي، إلى جانب تحولات لافتة في المواقف من الحرب والمقاومة والمفاوضات وحل الدولتين.
وشمل الاستطلاع 1270 شخصًا، بينهم 830 في الضفة الغربية و440 في قطاع غزة، بهامش خطأ يبلغ 3.5%، وأُجريت المقابلات وجهًا لوجه باستخدام أجهزة لوحية أو هواتف، مع اتخاذ ترتيبات ميدانية خاصة في قطاع غزة بسبب الظروف الأمنية.
البرغوثي يتقدم.. ورفض واسع لاستمرار عباس
تظهر النتائج أن مروان البرغوثي يظل الشخصية الفلسطينية الأقوى انتخابيًا. ففي انتخابات رئاسية افتراضية تجمعه بالرئيس محمود عباس والقيادي في حماس خليل الحية، يحصل البرغوثي على 54% من الأصوات، مقابل 26% للحية و14% فقط لعباس.
وتتزامن هذه النتائج مع مستوى مرتفع من الرفض لاستمرار الرئيس الفلسطيني في منصبه؛ إذ قال 79% من المستطلعين إنهم يريدون استقالة محمود عباس، مقابل 16% فقط يفضلون بقاءه.
لكن أزمة الثقة لا تصب تلقائيًا في مصلحة حماس أو فتح. فقد تساوت الحركتان في مستوى التأييد الحزبي العام عند نحو 24% لكل منهما، بعدما خسرت حماس أكثر من عشر نقاط مئوية خلال عشرة أشهر، إذ كان تأييدها يبلغ 35%. وفي المقابل، قال 38% إنهم لا يؤيدون أيًا من الحركتين أو لا يعرفون لمن يمنحون تأييدهم.
وفي انتخابات تشريعية افتراضية تشارك فيها القوى التي خاضت انتخابات 2006، تحصل فتح على 32% مقابل 29% لقائمة التغيير والإصلاح التابعة لحماس بين المرجح مشاركتهم، مع نسبة مشاركة متوقعة تبلغ 66%.
وتبرز دلالة أكثر عمقًا لأزمة التمثيل السياسي في أن 44% من الفلسطينيين يرون أن فتح وحماس معًا غير جديرتين بتمثيل الشعب الفلسطيني وقيادته، مقابل 28% يرون أن حماس الأحق بالقيادة، و21% يفضلون فتح بقيادة عباس.
السلطة الفلسطينية: أزمة فساد وشرعية أداء
تبدو صورة السلطة الفلسطينية أكثر قتامة في نتائج الاستطلاع. فقد قال 83% من المستطلعين إن هناك فسادًا في مؤسسات السلطة الفلسطينية، فيما وصفها 65% بأنها “عبء على الشعب الفلسطيني لا إنجاز له”.
وتعزز هذه المؤشرات الاستنتاج بأن التراجع في شعبية حماس لم يؤد إلى انتقال مماثل في التأييد نحو فتح أو السلطة، وإنما أسهم في توسيع مساحة الجمهور غير الراضي عن مختلف مكونات القيادة الفلسطينية.
كما تبدو الثقة بإمكانية تنظيم انتخابات ذات مصداقية محدودة. فبينما يعتقد 49% أن الانتخابات التشريعية المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني ستُجرى بالفعل، يشكك 44% في إجرائها في موعدها، ويعتقد ثلثا الجمهور أنها لن تكون حرة ونزيهة حتى إذا جرت. وفي الوقت نفسه، يؤيد 54% إجراء الانتخابات حتى إذا رفضت إسرائيل السماح بتنظيمها في القدس الشرقية.
حرب غزة تبدد رواية “الانتصار”
أحد أبرز التحولات التي يسجلها الاستطلاع يتعلق بتقييم الفلسطينيين لنتائج حرب غزة. فقد انخفضت نسبة الذين يعتقدون أن حماس خرجت منتصرة من الحرب إلى 20% فقط، بعدما كانت 39% في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
وفي المقابل، يرى 15% أن إسرائيل هي التي انتصرت، بينما تقول أغلبية تبلغ 60% إن أيا من الطرفين لم ينتصر. كما تراجع الرضا عن أداء حماس خلال الحرب من 60% إلى 42%، فيما لا يتجاوز الرضا عن أداء محمود عباس 18%.
غير أن تراجع الاعتقاد بانتصار حماس لا يعني تأييدًا شعبيًا لنزع سلاح الحركة. إذ يعارض 72% نزع سلاح حماس قبل الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وتعتقد النسبة نفسها أن نزع السلاح سيقود إلى عودة الحرب بدلاً من الانسحاب الإسرائيلي.
وتكشف النتائج أيضًا عن محدودية الثقة بالترتيبات المطروحة لمرحلة ما بعد الحرب. فالثقة بـ”مجلس السلام” لا تتجاوز 24%، وترتفع إلى 32% بالنسبة إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة. وعند المفاضلة بين استمرار اللجنة وتولي حكومة فلسطينية منتخبة جديدة إدارة القطاع، يفضل 32% بقاء اللجنة مقابل 28% يفضلون الحكومة المنتخبة.
حروب وصراعات
تحول نحو المفاوضات وتراجع تأييد العمل المسلح
في واحدة من أهم نتائج الاستطلاع، يظهر تحول ملحوظ في الوسيلة التي يفضلها الفلسطينيون لتحقيق أهدافهم الوطنية. فقد ارتفع تأييد المفاوضات من 36% إلى 44%، وهو أعلى مستوى خلال أربع سنوات، بينما انخفض تأييد العمل المسلح من 41% إلى 27%، وهو أدنى مستوى خلال الفترة نفسها. وفي المقابل، ارتفع تأييد المقاومة الشعبية السلمية من 14% إلى 19%.
لكن هذا التحول لا يعني انهيار التأييد لفكرة المقاومة المسلحة بالكامل، إذ ينقسم الفلسطينيون بالتساوي تقريبًا حول مدى فعاليتها في حماية الفلسطينيين أو إنهاء الاحتلال.
أما بشأن حل الدولتين، فيؤيده 44% كمبدأ عام مقابل معارضة 50%، لكن التأييد يرتفع إلى 56% عندما يُطرح الحل بصورة محددة على أساس حدود عام 1967، ويصل إلى 61% في قطاع غزة. وفي المقابل، يؤيد 14% الكونفدرالية و10% دولة ديمقراطية واحدة بحقوق متساوية.
ورغم ذلك، يبقى التشاؤم كبيرًا حيال إمكانية تطبيق حل الدولتين؛ إذ يرى 58% أنه لم يعد عمليًا بسبب التوسع الاستيطاني، بينما يعتقد 64% أن فرص قيام دولة فلسطينية خلال السنوات الخمس المقبلة ضئيلة أو معدومة. وفي الضفة الغربية تحديدًا، يشعر 87% بالقلق من أن يؤدي التوسع الاستيطاني إلى فقدان أراضيهم أو منازلهم.
انعدام الأمن والفساد يتصدران المشهد الداخلي
تعكس المؤشرات الاجتماعية والأمنية حالة شديدة من القلق؛ إذ قال 76% من الفلسطينيين إنهم يشعرون بانعدام الأمن الشخصي والعائلي، مقابل 23% فقط يشعرون بالأمان.
كما تكشف النتائج عن محدودية أثر التغييرات التنظيمية داخل الحركتين الرئيسيتين، إذ يرى معظم المستطلعين أن انتخابات مؤتمري فتح الثامن وحماس الأخيرة لم تُحدث تغييرًا جوهريًا في قيادة الحركتين. وفي الضفة الغربية، يحمل 48% الجهات الحكومية المسؤولية الأولى عن أزمة الوقود ونقص البنزين، مقابل 26% يحملون إسرائيل المسؤولية.
إيران وحلفاؤها يحافظون على مستويات رضا مرتفعة
على المستوى الإقليمي، يسجل الاستطلاع مستويات رضا مرتفعة نسبيًا عن القوى المرتبطة بمحور إيران. فقد حصل الحوثيون على أعلى نسبة رضا بلغت 61%، تلتهم قطر بـ51%، ثم حزب الله وإيران بنحو 50% لكل منهما. أما دوليًا، فجاءت إسبانيا في المقدمة بنسبة 50%، تلتها الصين بـ40%، بينما لم تتجاوز نسبة الرضا عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب 5%.
وفي ما يتعلق بالحرب الأمريكية-الإيرانية الأخيرة، قال 45% من الفلسطينيين إنهم وقفوا إلى جانب إيران، مقابل 12% وقفوا ضدها، فيما قال 40% إنهم لم يقفوا مع أي من الطرفين.
الدولة وإنهاء الاحتلال في صدارة الأولويات
على الرغم من الانقسامات السياسية والتحولات التي خلفتها الحرب، تظل القضية الوطنية التقليدية في مقدمة أولويات الفلسطينيين. فقد قال 43% إن الأولوية القصوى تتمثل في الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود عام 1967 وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، بينما وضع 28% حق عودة اللاجئين في المرتبة الأولى.
حروب وصراعات
في المقابل، أعطى 15% الأولوية لبناء مجتمع متدين يقوم على تعاليم الإسلام، بينما اختار 11% إقامة حكم ديمقراطي يحترم الحريات وحقوق الإنسان.
أزمة تتجاوز فتح وحماس
ترسم نتائج الاستطلاع في مجملها صورة لمشهد فلسطيني لا يشهد انتقالًا بسيطًا في الشعبية من فصيل إلى آخر، بقدر ما يشهد تآكلًا في الثقة بالبنية السياسية القائمة نفسها. فتراجع حماس بعد حرب غزة لم يتحول إلى مكسب واضح لفتح، كما أن الرفض الواسع لأداء محمود عباس والسلطة يتزامن مع اعتبار قطاع كبير من الفلسطينيين أن الحركتين الرئيسيتين غير مؤهلتين للقيادة.
وفي هذا الفراغ، يبرز مروان البرغوثي بوصفه الشخصية القادرة، وفق الأرقام الحالية، على تجاوز الانقسام التقليدي بين فتح وحماس واستقطاب كتلة انتخابية أكبر من تلك التي تستطيع القيادات القائمة حشدها.
وفي الوقت ذاته، يكشف ارتفاع تأييد المفاوضات وتراجع تأييد العمل المسلح إلى أدنى مستوى خلال أربع سنوات عن تغير مهم في المزاج العام بعد الحرب، لكنه يتعايش مع رفض واسع لنزع سلاح حماس قبل الانسحاب الإسرائيلي، وتشاؤم عميق بشأن إمكانية قيام دولة فلسطينية في المدى المنظور.
وبذلك، تبدو الرسالة الأساسية للاستطلاع مزدوجة: الفلسطينيون أكثر تشككًا من السابق في جدوى القيادات والفصائل القائمة، لكنهم لم يتوصلوا بعد إلى بديل سياسي أو استراتيجي يحظى بإجماع واسع. وهو ما يجعل أزمة الثقة الحالية أزمة في النظام السياسي الفلسطيني وقياداته وخياراته معًا، وليس مجرد تراجع ظرفي في شعبية فتح أو حماس


















