+
أأ
-

د. حازم قشوع : الأردن ساحة حرب.. لمصلحة من!؟

{title}
بلكي الإخباري

د. حازم قشوع

 

لم يعد السؤال اليوم ما إذا كان الأردن قد أصبح جزءًا من تداعيات الحرب الإقليمية، فهذا الأمر بات واقعًا تفرضه حركة الصواريخ والمسيّرات التي تعبر أجواء المملكة وتستهدف مواقع داخلها، وإنما أصبح السؤال الأكثر أهمية فى هذا الخضم من يريد للأردن أن يتحول من دولة عازلة للصراع إلى ساحة من ساحاته، ولمصلحة من؟ فالأردن الذي حافظ تاريخيًا على سياسة تقوم على حماية حدوده ومنع استخدام أراضيه أو أجوائه للاعتداء على الآخرين، يجد نفسه أمام معادلة مختلفة، بعدما أصبحت مواقع اردنية / أمريكية مشتركة داخل المملكة أهدافًا للهجمات الإيرانية وفقا لقاعده حمورابية فارسية الاستحضار تقول "من يطلق من بيته يرمى على بيته" ، الأمر الذي يجعل الأردن يدفع كلفة صراع لم يختره، ولا يملك مصلحة في اتساعه.

 

والمشكلة هنا لا تكمن فقط في الصاروخ الذي يسقط أو الذي يجري اعتراضه، وإنما في محاولة تغيير وظيفة الجغرافيا الأردنية، فالأردن ليس دولة مواجهة، لكنه يقع في قلب جغرافيا تتقاطع عندها خطوط الصراع بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة، ويجاور فلسطين وسوريا والعراق والسعودية، الأمر الذي يجعل موقعه الاستراتيجي ذا قيمة عالية في الحسابات العسكرية والسياسية. ولهذا فإن تحويل الأراضي الأردنية إلى مساحة لاستهداف المصالح الأمريكية لا يعني استهداف الولايات المتحدة وحدها، بل يعني عمليًا إدخال الأردن في معادلة الاشتباك وتحميله نتائج سياسة لم يصنعها، وهو ما يستوجب إدانة هذه الأفعال المشينة ورفضها بوضوح على كل الاصعدة والمستوريات ، أيا كانت الذرائع أو الحسابات التي تقف خلفها، لأن سيادة الأردن وأمن مواطنيه وأراضيه وأجوائه ليست مجالًا للاختبار أو المساومة.

 

وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا فى هذا المقام هل المقصود هو الضغط على الوجود الأمريكي في المنطقة، أم الضغط على الأردن نفسه من خلال هذا الوجود؟ وهو سؤال موجهه لسياسة "سنتكوم" فى المنطقة بهذه الظرفية الانتخابية قبل ان يحمل علامة استنكار لنظام الملالي الذى اخذ ما يبرر عدوانه بمصوغات زائفه ؟!...فإيران التي تقول إن ضرباتها تستهدف المصالح والقواعد الأمريكية، تعرف أن هذه المواقع موجودة داخل دولة ذات سيادة، وأن أي صاروخ أو مسيّرة تدخل المجال الجوي الأردني تضع الدولة الأردنية أمام مسؤولية حماية مواطنيها وأراضيها. ..

 

وهذا ما يجعل ذلك استهداف للأردن، مهما كانت الذريعة المعلنة بخطوة تتجاوز حدود الاشتباك الأمريكي الإيراني إلى اختبار مباشر للسيادة الأردنية. كما أن إبقاء الأردن في دائرة النار قد يخدم أكثر من طرف، حتى لو اختلفت أهداف هؤلاء الأطراف، في ظل إعادة ترتيب للأدوار والتحالفات في المنطقة، وما يرتبط بذلك من مستقبل فلسطين وأمن إسرائيل والعلاقة الأمريكية مع الخليج ومستقبل سوريا والعراق ومسارات الطاقة والتجارة. ومن هنا فإن إرباك الأردن لا يمكن النظر إليه باعتباره نتيجة عسكرية عابرة، بل باعتباره جزءًا من بيئة إقليمية يجري فيها اختبار مواقع الدول وأدوارها، وهو ما يفرض على الأردن أن يحافظ على قراره الوطني، وأن يرفض أن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الآخرين وهذه مايجب ان تكون رسالة مباشره للجميع .

 

والأخطر أن يتحول الاعتياد على سقوط الصواريخ واعتراضها إلى حالة سياسية طبيعية، وكأن الأردن أصبح جزءًا ثابتًا من مسرح الحرب، لأن الاعتراض العسكري، على أهميته، لا يكفي وحده إذا بقيت الأسباب السياسية التي تجعل الأجواء الأردنية جزءًا من مسار الصراع. فكلما طال أمد الحرب ارتفعت الكلفة الاقتصادية والأمنية والسياحية، واتسعت دائرة القلق الشعبي، وأصبح الاقتصاد الوطني أكثر تعرضًا لتقلبات الإقليم. ولذلك فإن التعامل مع هذه التطورات يجب أن يجمع بين حماية السيادة عبر الأدوات الأمنية والعسكرية، والتحرك السياسي والدبلوماسي لمنع توسيع دائرة الاستهداف، مع التأكيد أن الأردن ليس طرفًا في الحرب ولا يقبل أن يكون منصة لتوسيعها أو ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

 

وفي المقابل، فإن مواجهة هذا الواقع الخارجي تستدعي عاملًا ذاتيًا لا يقل أهمية عن العامل السياسي والأمني، ويتمثل في تمتين الجبهة الداخلية وتعزيز وحدة الموقف الوطني والالتفاف حول الدولة ومؤسساتها. وهنا تصبح عبارة كلنا الجيش العربي موقفًا وطنيًا جامعًا أكثر من كونها شعارًا، لأن القوات المسلحة الأردنية ـ الجيش العربي تقف في الخط الأول لحماية الوطن وسيادته، وتتحمل مسؤولية التعامل مع تداعيات هذه المرحلة بكل ما تفرضه من مخاطر. ومن واجبنا جميعًا أن نقف خلف جيشنا العربي، وأن نعزز الثقة بمؤسسات الدولة، وأن نواجه الإشاعة ومحاولات بث الخوف والقلق، لأن المعركة على الأمن الوطني لا تُخاض فقط في السماء وعلى الحدود، وإنما تُخاض أيضًا في وعي المجتمع وتماسكه ووحدته.

 

فالعامل السياسي الخارجي والعامل الذاتي الداخلي وجهان لمعركة واحدة؛ الأول يمنع تحويل الأردن إلى طرف في صراع الآخرين، والثاني يمنع تداعيات هذا الصراع من التحول إلى نقطة ضعف داخلية. ولذلك فإن قوة الأردن في هذه المرحلة تقوم على وضوح موقفه السياسي، وجاهزية مؤسساته، وتماسك جبهته الداخلية، وثقة شعبه بقيادته ومؤسساته الوطنية. فالأردن لا يبحث عن الحرب، ولا يسمح بأن تُفرض عليه، لكنه في الوقت نفسه يعرف كيف يحمي أمنه وسيادته ومصالحه، وكيف يحافظ على موقعه كدولة تسعى إلى الاستقرار وتمنع الانفجار بدل أن تكون جزءًا منه.

 

ولهذا فإن السؤال.. الأردن ساحة حرب لمصلحة من!؟.. يجب

ألا يقود إلى الانفعال بقدر ما يقود إلى اليقظة، وإلى إدراك أن مصلحة الأردن ليست في الحرب وإنما في الاستقرار، وليست في الاشتباك وإنما في حماية الدولة، وليست في أن يكون ساحة للصراع وإنما في أن يبقى دولة وازنة قادرة على حماية أمنها ومصالحها ودورها.

 

وفي هذه المرحلة تحديدًا، فإن الرسالة الأوضح هي أن الأردن واحد، والقرار الوطني واحد، والجيش العربي هو درع الوطن، وكلنا الجيش العربي. ومن يحاول استهداف الأردن أو تحويله إلى ساحة حرب، عليه أن يدرك أن قوة الأردن لا تبدأ من السلاح وحده، وإنما من وحدته الوطنية، ومن تماسك شعبه، ومن ثقته بدولته ومؤسساته، ومن قدرته على حماية سيادته تحت قيادة الملك القائد، الذي يظل عنوان الدولة ومرجع قرارها وحامي مسيرتها ..فالأردن ليس ساحة حرب لأحد ولن يكون الا واحة الامن والامان .. والأردن لا يُستباح.. وسيادته خط أحمر.. ووحدته الوطنية هي السلاح الأول الذى يلتف خلف قيادته في مواجهة كل محاولات العبث بأمنه واستقراره ..حمى الله الاردن واعز قيادته