+
أأ
-

د. حازم قشوع : ترامب=بالوزا

{title}
بلكي الإخباري

د. حازم قشوع

 

ثمة حكايات سياسية تبدأ من حدث عابر، لكنها سرعان ما تتحول إلى عنوان لمرحلة كاملة، وهذا ما يمكن أن يقال عن ترامبالوزا《 Trumpapalooza 》 التسمية التي أطلقت على المؤتمر الجمهوري غير المسبوق الذي انعقد في دالاس، مركز ثقل الرئيس بوش والمعارضة لبعض سياسات ترامب، استعدادًا للانتخابات النصفية الأمريكية، بعدما أراد دونالد ترامب أن يجعل من المناسبة منصة سياسية تحمل اسمه وصورته ورسائله، وأن يحول الانتخابات التي لا يكون هو طرفًا مباشرًا فيها إلى معركة حوله ومن أجله، وهو يعمل من ذات القاعدة التي تقوم عليها سياسة الهروب إلى الأمام، «زد من أجواء التصعيد حتى تصل إلى منزلة أخرى تنسى الجميع ما كنت فيه في منزلة سابقة». وإن كانت هذه السياسة يحرص نتنياهو على استخدامها في إعادة بيان موقفه، وهو يصارع مع ذاته من أجل الذات، فإنها لا تليق برجل البيت الأبيض القادم، من المفترض، من حزب تاريخي مؤسسي كبير، على حد وصف سياسيين.

 

الأمر الذي جعل المشهد ليس مؤتمرًا حزبيًا تقليديًا بالمعنى المعروف، وإنما أقرب إلى مهرجان سياسي يتمحور حول شخصية الرئيس وقاعدة «ماغا»، تيار ترامب النافذ في الحزب كما في مستقبل الحزب الجمهوري في النصف الثاني من الولاية، وقد ظهر ذلك بوضوح من خلال الحضور الطاغي لترامب وخطابه المباشر للناخبين بأن يتعاملوا مع الانتخابات وكأنه موجود على بطاقة الاقتراع.

 

والحكاية في أصلها ليست مرتبطة بالاسم فقط، وإنما بما يراد للانتخابات النصفية أن تكونه في هذه المرحلة من السياسة الأمريكية. فانتخابات الثالث من نوفمبر 2026 ستعيد انتخاب مجلس النواب بكامل مقاعده، إلى جانب 35 مقعدًا في مجلس الشيوخ، وبالتالي فإن نتيجتها لن تحدد فقط شكل الأغلبية داخل الكونغرس، وإنما ستحدد قدرة ترامب على الحركة السياسية خلال ما تبقى من ولايته، وعلى تمرير أجندته، وإدارة علاقته بالحزب، وصياغة ملامح المرحلة التالية. ولهذا فإن تحويل الانتخابات إلى استفتاء على الرئيس يحمل في داخله محاولة لإعادة صياغة المعركة من انتخابات لأعضاء الكونغرس إلى انتخابات على مشروع ترامب نفسه.

 

وهنا تظهر المفارقة فترامب يريد أن تكون الانتخابات ترامبية، بينما يريد بعض المرشحين الجمهوريين أن تبقى انتخابات محلية، لأنهم يعرفون أن قوة ترامب داخل قاعدته الانتخابية لا تعني بالضرورة قدرته على جذب الناخب المستقل والمتردد. ولذلك بدا المشهد في دالاس يحمل وجهين في آن واحد؛ وجهًا يريد الاستفادة من شعبية ترامب داخل القاعدة المحافظة، ووجهًا آخر يخشى أن تتحول هذه الشعبية نفسها إلى عبء في الدوائر والمقاعد المتأرجحة. وقد انعكس ذلك في ابتعاد بعض المرشحين الجمهوريين عن المؤتمر أو تقليل انخراطهم فيه، خشية أن تتحول المعركة المحلية إلى استفتاء على الرئيس بدلًا من أن تكون تصويتًا لصالح المرشح وقضيته المحلية.

 

أما المضمون الأعمق، فهو أن السياسة الأمريكية دخلت مرحلة أصبحت فيها شخصية الرئيس جزءًا من بنية الحزب، لا مجرد رأس للسلطة التنفيذية. فترامب لا يتحرك باعتباره رئيسًا جمهوريًا فقط، وإنما باعتباره مركز الثقل الذي يعاد من خلاله تعريف الحزب ومفرداته وتحالفاته وخطابه الانتخابي. ولذلك فإن ما يجري في «ترامبالوزا» هو محاولة لقياس قدرة الشخصية على حمل المؤسسة، وقدرة الحركة السياسية على تحويل الولاء الشخصي إلى أصوات انتخابية، وقدرة الحزب على استخدام الرئيس دون أن يصبح أسيرًا له. وهذه المعادلة هي التي تجعل الانتخابات النصفية المقبلة أكثر أهمية من كونها مجرد محطة انتخابية في منتصف الولاية.

 

لكن الانتخابات لا تجري في فراغ سياسي، والناخب الأمريكي لا يعيش على الشعارات وحدها. فالمؤشرات الحالية تظهر أن الاقتصاد وكلفة المعيشة والتضخم والتعريفات والحرب أصبحت عوامل ضاغطة على المزاج الانتخابي، فيما لا تزال شعبية ترامب تواجه ضغوطًا واضحة. وقد أظهر استطلاع حديث انخفاض نسبة تأييده إلى مستويات متدنية، قد تجعله في البيت الأبيض كما البطة العرجاء، أو ديكًا يحتفى بذبحه في عيد الشكر القادم، مع وجود قلق جمهوري من أن يؤدي وضعه في مقدمة المشهد إلى إبعاد بعض الناخبين المستقلين والمترددين. ولذلك فإن المسألة ليست ما إذا كان ترامب يستطيع أن يحشد قاعدته، فهو أثبت قدرته على ذلك مرارًا، وإنما ما إذا كانت هذه القاعدة تستطيع وحدها أن تحمل مرشحي الحزب إلى الأغلبية.

 

ومن هنا فإن «ترامبالوزا» تصبح أكثر من مهرجان انتخابي، كونها تجربة سياسية في شخصنة الديمقراطية الحزبية، ومحاولة لإعادة إنتاج المعادلة التي تقول إن الحزب الجمهوري يستطيع أن يدخل الانتخابات من بوابة ترامب، وأن ترامب يستطيع أن يدخل إلى الانتخابات من بوابة الحزب، بحيث تصبح العلاقة بين الطرفين دائرة مغلقة يصعب الفصل بين أطرافها. وإذا نجحت التجربة، فسيكون ترامب قد أثبت أن حضوره السياسي يتجاوز موقعه الدستوري إلى صناعة النتائج الانتخابية، أما إذا تعثرت، فقد يبدأ داخل الحزب نقاش أكثر عمقًا حول حدود الشخصنة التي أرسى ترامب قواعدها، وحول الحاجة إلى إعادة بناء المسافة بين المؤسسة الجمهورية والشخصية الترامبية، وهنا تتكون العلامة الفارقة، سلبية المعنى أم إيجابية التوجه.

 

ولذلك فإن المغزى الحقيقي من «ترامبالوزا» لا يكمن في المهرجان ولا في الاسم، وإنما في الرسالة التي يراد إرساؤها قبل الانتخابات النصفية؛ إذ إن ترامب يريد أن يقول للحزب والناخب معًا إن المعركة ليست على مقاعد مجلسي النواب والشيوخ فقط، وإنما على استمرار المشروع الذي يمثله، وإن التصويت للمرشح الجمهوري يجب أن يُقرأ بوصفه تصويتًا على ترامب وعلى سياساته وعلى الاتجاه الذي يريد أن يأخذ إليه الولايات المتحدة. وفي المقابل، يحاول الديمقراطيون نقل المعركة إلى مساحة مختلفة، عنوانها الاقتصاد وكلفة الحياة وأداء الإدارة، حتى لا يسمحوا لترامب بأن يحول الانتخابات إلى استفتاء على شخصه وفق القواعد التي يختارها هو. وبين هذين الاتجاهين تتشكل هندسة الانتخابات النصفية.

 

فالمعركة ليست فقط بين جمهوريين وديمقراطيين، وإنما بين روايتين سياسيتين؛ إحداهما تريد أن تجعل ترامب هو «الموضوع» بتشكيل هالة الرمزية، والأخرى تريد أن تجعل أداء الإدارة هو «الموضوع» لتكون سياساته التي يمكن إصلاحها محط نقاش. وبينهما يقف الناخب الأمريكي الذي يستطيع أن يفصل بين الرئيس والمرشح، أو أن يجمعهما في ورقة اقتراع واحدة، بحسب ما يراه في الاقتصاد والأمن والحرب ومستوى المعيشة ومستقبل البلاد.

 

وهنا تكمن الخلاصة؛ فـ«ترامبالوزا» ليست مجرد مهرجان انتخابي ولا حالة احتفالية حول رجل، وإنما هي صورة مكبرة لما آلت إليه هندسة السياسة الأمريكية في هذه المرحلة، حيث تتداخل شخصية الرئيس مع الحزب، ويتداخل الحزب مع الانتخابات، وتصبح صناديق الاقتراع مساحة لاختبار حدود النفوذ الشخصي وحدود المؤسسة في آن واحد. فترامب يريد أن يجعل من الانتخابات النصفية امتحانًا له، والحزب الجمهوري يريد أن يجعل من ترامب وسيلة للنجاح، فيما تكمن المفارقة في أن الوسيلة قد تتحول إلى موضوع الانتخابات، وأن الموضوع قد يتحول إلى عبء على الوسيلة، وهو ما يفسر تحفظ عدد من المرشحين الجمهوريين الذين يدركون أن الفوز لا يصنعه الحشد وحده، وإنما القدرة على مخاطبة الناخب الذي لم يحسم موقفه بعد.

 

ومن هنا فإن انتخابات نوفمبر لن تكون مجرد توزيع جديد للمقاعد، بل اختبارًا لمدى قدرة ترامب على تحويل الولاء الشخصي إلى قوة مؤسسية، وقدرة الحزب الجمهوري على الاستمرار كحزب ترامب من دون أن يفقد المساحة السياسية التي يحتاجها للفوز. وعندها ستظهر العلامة الفارقة؛ هل تكون «ترامبالوزا» محطة تؤكد أن الشخصنة أصبحت جزءًا من هندسة الحزب، أم أنها ستكون اللحظة التي تبدأ فيها المؤسسة بإعادة هندسة المسافة بين الرئيس والحزب، وبين الرمز وصندوق الاقتراع، وبين قوة الحشد وقوة الدولة، لتصبح الانتخابات النصفية بذلك اختبارًا حقيقيًا لهندسة السياسة الأمريكية اما مدى تاثير ذلك على المشهد الاقليمي فانني ساتناوله بشكل موسع فى كتابي الجديد الذى يحمل عنوان فى 《هندسة الطاولة التفاوضية》